بحسب تركيبة سوق العمل المحلي الذي تهيمن عليه العمالة الوافدة بنسبة تتجاوز 90%، يصبح من المسلّمات التنموية ضرورة الاستثمار الأقصى لطاقات المجتمع بشرائحه المختلفة. إن المرأة الإماراتية في طريقها لأن تصبح أهمّ هذه الطاقات، بعد أن استغلّت الفرص التعليمية المتاحة على الوجه الأمثل لتحسين وضعها في سوق العمل المحلي، بل إن تقارير تم تداولها في منتدى القيادات العربية الشابة الذي استضافته دبي، العام الماضي، أكد أن دولة الإمارات تحتلّ المرتبة الأولى في العالم من حيث نسبة التعليم العالي بين النساء، والتي تجاوزت 71%، مقابل 29% للذكور، بينما تشير الإحصاءات التعليمية، اليوم، إلى أن عدد الإناث يفوق كثيراً عدد الذكور في جميع المراحل التعليمية داخل الدولة. وهذا التحوّل الكبير لمصلحة المرأة الإماراتية، أحدث بدوره تغيّرات مشابهة على مستوى سوق العمل المحلي، الذي يتجه نحو التأنيث بشكل حادّ، إذ ارتفعت نسبة العمالة النسائية المواطنة من 13% من مجموع القوى العاملة المواطنة قبل عشر سنوات إلى ما يقرب من 30% العام الماضي، حيث تضاعف عدد المواطنات العاملات خلال هذه الفترة من 16 ألفاً إلى ما يقرب من 60 ألفاً، وبالقدر نفسه أحدثت هذه التحوّلات تغيّرات مماثلة في مواقف الأسرة والمرأة تجاه العمل، كما رسّخت وضع المرأة في الاقتصاد المحلي. وعلى مدى العقد الأخير، ظلت مشاركة المرأة في قوة العمل المواطنة تنمو بمتوسط سنوي تجاوز 17%، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف معدل النمو بالنسبة إلى المواطنين الذكور. وعلى الرغم من التقدم الكبير الذي أحرزته المرأة الإماراتية في مجالي التعليم والعمل، فلا تزال هناك حاجة ماسّة للاستفادة القصوى من طاقات المرأة ليكون لها دور أكثر فاعلية في بناء وطنها، الذي يشهد خلال هذه الحقبة تحوّلات تنموية كبرى تستوعب جميع شرائح المجتمع. إلا أن للمرأة مقوّماتها الخاصة، وأن انتقالها إلى العمل من دون خطط مدروسة واستراتيجيات واضحة قد تترتب عليه تكاليف اجتماعية باهظة تحدّ من المكاسب الاقتصادية، كما أن دخول المرأة معترك النشاط الاقتصادي بأسس علمية صحيحة سيكون له أثر حضاري وثقافي، ينتقل من خلالها إلى الأجيال القادمة، التي هي عماد البلاد في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. لقد كان هذا التوجّه المحور الرئيسي لندوة "تشغيل النساء من المنزل"، التي نظّمها برنامج "وطني" بالتعاون مع "برنامج الإمارات لتطوير الكوادر الوطنية"، و"مؤسسة دبي للمرأة"، وبدعم العديد من مؤسسات القطاعين العام والخاص، والتي سعت بدورها إلى تحويل فكرة الندوة إلى برنامج عمل قابل للتنفيذ، في ظلّ وجود شريحة كبيرة من النساء المتعلّمات تشكّل ظروفهنّ الأسرية وبُعدهنّ الجغرافي عن مناطق العمل معوّقات أساسية تمنعهنّ من المساهمة في جهود التنمية، كما أن العمر الوظيفي للمرأة الإماراتية أقصر بكثير من العمر الوظيفي للرجل، وذلك لأسباب عدة كالظروف الأسرية، والزواج، وتربية الأطفال، والظروف الحياتية، وغيرها. هذه المبادرة الطموحة إذا ما تمّت بلورتها إلى واقع عملي، يمكن أن تحقق جملةً من الأهداف، من بينها تعزيز خطط التوطين وبرامجه، وتأكيد الدور الفاعل للمرأة ومساهمتها في التنمية المجتمعية، وذلك من خلال دورها الأساسي في تربية الأجيال أولاً، إلى جانب مساهمتها في التنمية الاقتصادية حيث إنها تشكّل نصف المجتمع الأكثر تعليماً. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية