يستمر الوضع العراقي في نزيف مستمر مع تصاعد الاحتقان واستمرار اتجاهه نحو الأسوأ. خلال الأشهر الماضية ظهر العديد من الدراسات الأميركية والبريطانية والدولية، وأخرى من هيئات الإغاثة ومنظمات حقوق الإنسان، ولعل أبرز تلك الدراسات دراسة مجموعة "بيكر- هاملتون" التي رسمت خريطة طريق لإنقاذ أميركا من العراق. جميع تلك الدراسات ترسم صورة قاتمة للوضع الأمني والسياسي الحالي، وكذلك المستقبلي للعراق. ويطالب معظمها بتغيير الاستراتيجية الأميركية، وبدمج المسارين العسكري والسياسي، مع التأكيد على أن الحل العسكري لا يكفي وحده، وهذا ما اعترف به القادة العسكريون أنفسهم وآخرهم قائد القوات الأميركية في العراق الجنرال "ديفيد بيتراوس". هناك أربعة سيناريوهات سيئة تتنافس على مستقبل العراق، وتتراوح بين الانزلاق نحو حرب طائفية مذهبية مدمرة، أو تقسيم، أو فيدرالية، أو تحول العراق إلى "دولة فاشلة" مع كل ما يعنيه ذلك من عدم استقرار. ما يكسب المشهد العراقي مسحة تشاؤمية هو المطالب المستحيلة من الإدارة الأميركية والكونجرس الأميركي معاً، فيما الدول العربية تشكك في قدرات الحكومة العاجزة عن الإنجازات، وخاصة العجز عن اعتماد إصلاحات سياسية بدءاً بالمصالحة الوطنية، وبتعديلات دستورية مهمة أبرزها إشراك العرب السُّنة، وإحداث تعديلات على قانون النفط والفيدرالية والمناطق المتنازع عليها بين السُّنة والشيعة، والعرب والأكراد، وخاصة مدينة كركوك المثيرة للجدل. صدرت مؤخراً دراسة عن "تشاتم هاوس" في لندن للباحث البريطاني غاريث ستانسفيلد بعنوان: Accepting Realities in Iraq أي "قبول الحقائق حول العراق". وترسم الدراسة صورة قاتمة لواقع العراق، وللوصفات الأميركية الأمنية وآخرها استراتيجية الرئيس بوش بزيادة عدد القوات الأميركية، وخطة أمن بغداد، والخطط السياسية والمؤتمرات الخارجية كـ"عهد العراق". تقر الدراسة بأن الوضع في العراق بالغ السوء، وبأن السنة الحالية هي سنة الحسم لمستقبل بلاد الرافدين، وبأن هناك حروباً أهلية متداخلة وليس حرباً واحدة، هذا إضافة إلى تحول العراق إلى مسرح لحروب بالوكالة، مع تشظي الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية على خطوط طائفية وقبلية وإثنية. وكان وزير الدفاع الأميركي "روبرت غيتس" قد ذكر أن هناك أربع حروب متفجرة عملياً في العراق. كما أشار تقرير للاستخبارات الأميركية إلى أن الأوضاع في العراق تحمل سمات الحرب الأهلية. فيما تشكك الدراسة المذكورة في جدوى استراتيجية الرئيس بوش الأخيرة، وتصفها بأنها "غير مجدية". أما خريطة الطريق للخروج من العراق فإنه على الولايات المتحدة الأميركية التي تبدو متلهفة لدور إيراني لإنقاذها من ورطة العراق، عبر اللقاء المقرر في نهاية مايو الجاري حول العراق، أن تجد حلاً مقنعاً لعدة قضايا أبرزها ثلاث، لا يمكن الالتفاف عليها. أولاً: العمل لإدماج الجماعات السُّنية غير "القاعدة" للمشاركة الفاعلة في النظام السياسي. ثانياً: الاعتراف -بشكل ما- بمقتدى الصدر وجماعته كشريك سياسي وشرعي في النظام السياسي. ثالثاً: تفهم قلق الأكراد الذين يفضلون نظاماً فيدرالياً في العراق. طبعاً تضاف إلى هذه القضايا الشائكة قضايا معقدة مثل الفيدرالية وإصدار قانون للنفط، وإعادة النظر بقانون "احتثاث البعث" وغيرها. كما أن الحاجة باتت ماسَّة لحكومة لا توصف بأنها طائفية. لذلك يبرز إياد علاوي من جديد مرشحاً معقولاً لتشكيل حكومة إنقاذ وطني. كما أن هناك حاجة ملحَّة لوقف التدخل الخارجي الذي يزيد من تعقيدات المشهد العراقي. هذه الخطوات كفيلة بأن تحقق النقلة المطلوبة وتؤسس لمصداقية وشرعية، وذلك سيساعد على الاستقرار. أما عدم الاستقرار فتقول الدراسة إنه يخدم أهداف بعض القوى الإقليمية، حيث يصعِّب الوضع في العراق من قيام واشنطن بأية عمليات عسكرية ضد بعض دول الجوار العراقي. وهكذا تستمر الدراسات والاستطلاعات والتوقعات عن بلاد الرافدين، فيما العراقيون يستمرون في دفع الثمن الباهظ من الدماء وانعدام الأمن والاستقرار في بقايا وطن صاروا فيه ضحايا الحسابات الخاطئة والحروب الحقيقية بالوكالة، ولسان حالهم يقول: ما الذي تغير؟ ولماذا نبقى ضحايا في وطن لم نعد نعرفه ولا نعلم إذا ما كان من الممكن إعادته كوطن واحد، كما كان في يوم من الأيام؟