في سنغافورة، هناك قلق رصدته دراسة استطلاعية أجرتها صحيفة "صنداي تايمز" البريطانية حول هجرة الخبرات الأجنبية إلى سنغافورة، الدراسة جاء فيها ما يلي: "أبدى تسعة من كل عشرة سنغافوريين خشيتهم من فقدان وظائفهم لحساب الحرفيين الأجانب، لذلك فإنهم يقفون موقف المعارضة من الجهود الهادفة إلى جلب مزيد منهم إلى الدولة المدينة". وفي الجانب الآخر من العالم، يساور البريطانيين شعور بالقلق بخصوص تدفق المهاجرين من شرق أوروبا، والذي يتصاعد مع اقتراب الانتخابات المحلية المزمع إقامتها الشهر الجاري. وكتب "ليام بايرن" وزير الهجرة البريطاني مقالاً جاء فيه: "إن البلد أصبح غير مستقر بدرجة كبيرة، بسبب أكثر من نصف مليون مهاجر من شرق أوروبا". وعودة لسنغافورة، فإنها في اشتراطها للعمل واستقطاب الموظفين، تشترط الخبرة والمهارة والحرفية التي تنقص البلاد، ورغم هذا، فما زال أهل سنغافورة يصرون على عدم حاجة بلادهم لمثل هذه المبررات. وفي بريطانيا وُضعت قيود وتم تحديد الأعداد المسموح لهم بالهجرة، رغم أن بعض الخبراء يقولون إنها هجرة أنعشت الاقتصاد بسبب الأجور الأقل التي يتقاضاها المهاجرون. الملفت أنه في كلا البلدين تبدو هذه الظاهرة ليست بالبعيدة، ورغم هذا تدخلت الحكومة لوضع الشروط الفنية والقانونية للحد منها وللحفاظ على رغبات الشعب وتطمين هواجسهم. وفي سويسرا حدّث ولا حرج، فبمجرد أن وصل عدد المهاجرين إلى 12% من مجموع السكان، قامت الدنيا ولم تقعد، مما حدا بالحكومة أيضاً إلى اتخاذ قوانين صارمة تحاول فيها الحفاظ على الاتحاد السويسري ومكتسباته وهدوئه المثالي. وفي الوقت الذي يقول فيه الخبراء إن هؤلاء المهاجرين هم السبب في تنشيط الاقتصاد ونموه بشكل أسرع، فإن الضفة الأخرى تقول إن ازدياد حجم البطالة سببه الرئيس هو الهجرة المتسارعة. كلها أمثلة تواترت بسبب كمِّ الإعلانات اليومية عن شركات تعتزم بناء المزيد من المنشآت. فكم من العمال ستستقطب هذه المشاريع؟ وكم من المشاكل سترافق رحلة وجودهم؟ وكم من العمال سيغادرون بمجرد نهاية المشروع؟ لن يغادر أحد، إنها البلد السحري الذي من يدخله مفقود والخارج منه لا أحد، وتبدو القوانين مترهلة وغامضة وضبابية وسط تيار المصالح الشخصية التي يبحث عنها البعض متناسين مصلحة الوطن أولاً وأخيراً. يد وزارة العمل وحدها لا تكفي، ولا قوانين الحكومة المتغيرة من حين لآخر بسبب ضغوط أصحاب رؤوس الأموال. هو فقط قرار شجاع يشبه قرار اشتراطات وقوانين سنغافورة وبريطانيا وسويسرا وغيرها، دون أن يسألهم أحد لِم؟ إنه حق الدفاع عن أرض تتعرض لأطماع كبيرة وحق الدفاع عن هوية وشخصية وملامح اسم عربي يموج بين أشكال غريبة، تعامل ذاتها كأنها الفضل الذي أنار طرق الظلام في شوارع هذه البلاد. إذا كان شعب الإمارات مشهوداً له بالتسامح والطيبة والعطاء، فأزعم أن ما يحدث بين ظهرانيه يدعوه إلى التطرف والانغلاق، وإلى تربية رفض ينمو ويكبر مع الأمام، ويُخشى ألا تكون له مصدّات تعيق غضبه وتوقف هذا النزيف للثروة الحقيقية، وهي الإنسان.