على الرغم من تعدد وأهمية الموضوعات التي طرحت في "المنتدى الاقتصادي العالمي" في الأردن، مؤخراً، فإن إعلان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، عن إنشاء "مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم"، والتي ستعنى بإطلاق جهود التنمية العربية الإقليمية في مبادرة تعتبر الأكبر من نوعها على مستوى المنطقة، يشكل الحدث الأبرز. وتأتي أهمية هذا المشروع الإقليمي، ليس من واقع المبلغ الضخم الذي خصص لتمويله، والذي يصل مبدئياً إلى 10 مليارات دولار، وإنما من طبيعة المشروع نفسه وحاجة الدول العربية لمثل هذه المبادرات والبرامج التي تعنى بتطوير الرصيد المعرفي والتعليمي والثقافي للمنطقة. فإذا كانت الفجوة التنموية العميقة بشطريها المادي والبشري، التي تفصل بين الدول العربية والعالم المتقدم، لا تنحصر في مجال بعينه، فإن الفجوة المعرفية، التي تشكل محور الاهتمام في مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، تتميز بكونها عامل تسريع خطيراً لاتساع الفجوات الأخرى، بل وإن العالم يتجه الآن نحو مرحلة جديدة من التنمية والتطور، تتراجع فيها الأنشطة والتكنولوجيات القديمة لتحل محلها الأنشطة المعرفية والرقمية، التي تزيد كثيراً من فعالية القطاعات الاقتصادية والتنموية الأخرى، كما أنها تضمن الديناميكية اللازمة لهذه القطاعات، وهو ما يجعل المبادرة الآن بتقليص هذه الفجوة ضرورة ملحة. وباعتبار المعرفة ركيزة التقدم وأساس كل تطور، وأحد مرتكزات الأمن القومي، بمفهومه الشامل، فإن العالم العربي، وانطلاقاً من هذا الواقع المرير، يتجه نحو حالة شاملة من التأزم لا يمكن حسبان أبعادها، إذ إن تراجع الدول العربية في حقول التعليم والتكنولوجيا والمعرفة والبحث والتطوير يجري يوماً بعد يوم، ويرافق ذلك تكريس اعتماد هذه الدول على علماء وخبراء من الغرب والشرق. وهكذا تبرز عملية تطوير المحتوى المعرفي كأحد أكبر التحديات الاستراتيجية التي تواجه الدول العربية اليوم، وهناك أزمة معرفية حقيقية لا ينكرها أحد، وهي متعددة الوجوه. من خلال تقديمها الدعم للعقول والكفاءات العربية الشابة، والاهتمام بالبحث العلمي والتعليم والثقافة، والاستثمار في البنية الأساسية للمعرفة، تشكل مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، نقلة نوعية تستحق كل أنواع الدعم والمساندة سياسياً وإعلامياً واقتصادياً، حتى يُكتب لها النجاح المنشود، وتحقق الأهداف التي نشأت من أجلها، بعد أن اكتسبت المعرفة بمحاورها المتعددة وما تلعبه من دور محوري في خدمة التنمية أهمية كبيرة، تعاظمت في الفترة الأخيرة التي بدأت تشهد تغيرات اقتصادية كاسحة، وما ترتب عليها من أجواء تنافسية حادة، البقاء فيها للأفضل، أو بعبارة أخرى الوجود فيها لمن يملك الميزة التنافسية العلمية والتقنية. إن الأرقام المتاحة عن حجم الإنفاق على ضروب المعرفة المختلفة والبحوث العلمية والتطوير التقني تشير إلى أن الدول العربية تأتي في المراكز الأخيرة على قائمة تقديرات إنفاق دول العالم في هذه المجالات، وفي الوقت نفسه، فإن ما يؤخذ على الدول العربية في هذا الشأن، ليس ضعف الإنفاق المادي فحسب، بل غياب التعاون والتنسيق فيما بينها، في ظل عدم وجود تصور عربي واضح لدفع مسيرة التطور المعرفي، وغياب التمويل اللازم، بينما تتجاوز "مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم" هذه العقبات جميعها، من خلال تصميم وإدارة برامج لبناء قاعدة معرفية بمستويات عالمية. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية