قد يكون الخوف حافزاً كبيراً للفعل، فهو الذي دفع الرئيس الأسبق "فرانكلين روزفلت" لاعتقال عشرات الآلاف من المواطنين الأبرياء الأميركيين خلال الحرب العالمية الثانية، وهو الذي أدى كذلك لحملة "المكارثية" الشرسة التي هدمت بدورها حياة مئات الأميركيين. وهو نفسه الذي دفع أعلى دوائر صنع السياسات والقرارات في بلادنا، إلى التصريح بممارسة التعذيب بحق سجنائنا. والخوف هو التبرير السلوكي الذي وفره للإدارة الحالية "جورج تينيت"، المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، وهو يهم الآن بالترويج لكتابه الجديد "في قلب العاصفة". وفي هذا الكتاب تجاهل "تينيت" أساليب التعذيب التي استخدمت بحق معتقلي الحرب على الإرهاب، في إطار البرنامج السري لوكالته الخاص بإجراءات التحقيق. وقد شملت تلك الأساليب والتقنيات، "ركوب الأمواج" و"الحرمان الحسي" و"الحرمان من النوم" و"أوضاع القلق والتوتر". وفي دفاعه عن هذه الأساليب والانتهاكات، قال تينيت: "لقد تناسى الجميع حقيقة جوهرية في النظر إلى سياق الأحداث التي عايشناها خلال الفترة الماضية، ألا وهي الخوف الذي ألمّ بنا نتيجة للشعور بغياب كثير من الحقائق عنا". وبحكم عملنا السابق في ميادين القتال والحروب، فإننا ندرك جيداً حقيقة الخوف، وما يمكن أن يؤدي إليه من فوضى عارمة، في حالة عدم السيطرة عليه وكبح جماحه. ومما نعلمه أيضاً أن الخوف يولد القلق وأنه قد يدفع الأمم والشعوب إلى التصرف على نحو لا ينسجم وقيمها وطبيعتها. ومما نفهمه جيداً خوف الأميركيين العام من أن تتعرض بلادهم إلى هجمات أخرى، مثل تلك التي تعرضت لها يوم 11 سبتمبر 2001. غير أنه من أوجب واجبات القائد العام للبلاد، أن يحرر أمته وبلاده من قبضة الخوف، وليس أن يشدد تلك القبضة ويقويها. وإنه لمن المؤسف حقاً، فشل العديد من المرشحين الرئاسيين "الجمهوريين" في إدراك هذه الحقيقة الجوهرية، خلال مشاركتهم في الحوار الانتخابي الرئاسي الذي جرى في ولاية كارولينا الجنوبية ليلة الثلاثاء الماضي. نستثني من هؤلاء مرشحاً واحداً هو "جون ماكين"، الذي أكد فهمه للرباط الوثيق بين الحفاظ على أمننا القومي وقيمنا كأمة ودولة. وعليه فمن شأن تلك المزاعم والافتراضات القائلة بجدوى التعذيب، أن تطمئن عامة الشعب على أمنها إلى حين، لكن حالة الأمن تلك، تظل عارضة وزائفة لا أكثر. ورغم جهلنا بما تم تحقيقه عبر ذلك البرنامج السري القائم على الخوف، فإننا ندرك جيداً العواقب التي يفضي إليها في نهاية الأمر. فكما هو حادث في تاريخ كل الأمم والدول التي سمحت بممارسة الإرهاب تحت أصعب الظروف وخيارات الاستجابة المتاحة للخطر الأمني، فقد انتشر انتهاك كرامة الإنسان وحقوقه، انتشار النار في الهشيم، إذ تحول كل أسير وسجين يقع في قبضة مسؤولي أمن تلك الدول، إلى فتيل انفجار في قنبلة موقوتة. وتبعاً لهذه الحقيقة، يواجه جنودنا المرابطون في العراق حالياً، قنابل موقوتة كل يوم. ويتمثل ذلك في استخدام المتفجرات المرتجلة والمصنوعة كيفما اتفق، وكذلك في توفر درجة ما من درجات "المرونة" في اللجوء لأساليب التعذيب بحق السجناء والمعتقلين. والملاحظ أن هذا السلوك قد ساد الهرم القيادي من قمته إلى قاعدته هناك، حيث حلت الاستثناءات النادرة محل القاعدة الراسخة. وللإلمام بالأثر النفسي الذهني الذي خلفته هذه الممارسات على جنودنا في العراق، ما عليك إلا أن تلقي نظرة سريعة على التقرير الطبي الذي نشر في وقت مبكر من هذا الشهر، عن الصحة الذهنية للجنود. وأكثر ما يثير القلق في ذلك التقرير، هو تزايد تسامح الجنود مع حالات تعذيب السجناء وانتهاك حقوقهم. وهذا ما يؤكد الحقيقة العسكرية التي عرفناها من خبرتنا المهنية في هذا المجال: أي صعوبة تطبيق المعايير الأخلاقية المعقدة، تحت الشعور بوطأة القلق الحربي العملياتي. على أن القاعدة تظل ثابتة ومطلقة: فمتى ما تم الأخذ بالتعذيب كوسيلة ضمن الوسائل الممكنة للتحقيق مع أسرى الأعداء، فإن ذلك الاستثناء، سرعان ما يتحول إلى قاعدة وحقيقة راسختين في السلوك الحربي. وقد أدى ذلك بالفعل إلى نتائج كارثية وخطيرة في العراق. ومن جرائها فقد تساءل حتى وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد، عما إذا كنا قد خلقنا لأنفسنا عدداً أكبر من الأعداء الإرهابيين الذين نقتلهم يومياً هناك، أم أننا قلصنا عددهم؟ وفيما يتصل بعقيدة مكافحة التمرد، فإن ذلك السؤال الذي أثاره رامسفيلد، يعد أمراً محورياً ومطلق الصحة. ذلك أنه يستحيل إحراز النصر في مثل هذه الحروب، دون أن يفقد العدو المشروعية الاجتماعية التي يستقطب بموجبها مزيداً من المقاتلين والمتمردين في صفوفه، ومن ثم يخسر القدرة على إعادة بناء نفسه وصفوفه مجدداً. غير أن أساليب التعذيب وانتهاك حقوق السجناء التي دافع عنها جورج تينيت في كتابه المذكور، هي التي تعطي المتمردين مشروعيتهم وتعيد لهم القدرة على إعادة بناء صفوفهم، على عكس ما أراد. وعلينا أن ندرك أنه لن يتم الفوز بهذه الحرب في ميادين وساحات القتال فحسب، وإنما في عقول وقلوب المؤيدين المحتملين للأعداء والمتمردين، خاصة وأن أمل الكثيرين منهم لم ينقطع بعد في الخلاص الذي يمكن أن يجلبه لهم المتمردون في صراعهم اليومي الشرس ضدنا. أما فيما يتصل بممارسات "سي آي إيه"، فإن هذا ليس مجرد درس نظري يجب تعلمه من دروس التاريخ، وإنما هناك لجنة مؤلفة من قانونيي البيت الأبيض، تعكف حالياً على وضع قواعد جديدة لما يجب أن يسلكه محققو الوكالة مع سجنائهم وتنظيم كيفية معاملتهم. تشارلس سي. كرولاك ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قائد سابق لقوات المارينز (1995-1999) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ جوزيف بي. هور ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قائد عام القيادة المركزية (1991-1994) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"