بوش في مواجهة الثنائي "أنجيلا ونيكولا"... و"حسابات غبية" وخاسرة في غزة! استلام الرئيس نيكولا ساركوزي للسلطة وطريقته في تشكيل الحكومة، وأجواء الارتياح وسقف التوقعات المرتفع اللذين استقبلت بهما واشنطن دخوله لقصر الأليزيه، والثمن الباهظ المترتب على التخلي الدولي المُزمن عن الفلسطينيين وارتماء غزة في أحضان العنف، موضوعات نعرض لها ضمن جولة سريعة في الصحافة الفرنسية. ساركوزي... وحرسه المقرب: انتقلت الافتتاحيات ومقالات الرأي في الصحف الفرنسية بسرعة هذا الأسبوع من الحديث عن دلالات رحيل الرئيس جاك شيراك من قصر الأليزيه، إلى استشراف توجهات الرئيس الجديد نيكولا ساركوزي، وفي هذا السياق لم يفوِّت "إيف ترييار" في صحيفة لوفيغارو الفرصة ومن واقع حفل تنصيب ساركوزي، لتشبيهه بالرئيس الأميركي الأسبق جون كينيدي، في تعبير عن بداية تسقُّط صحفي من الآن لملامح "ساركو الأميركي" وهي صورة نمطية ذائعة الصيت. وبسرعة بدأت الهجمات والهجمات المضادة لشخصية الرجل في معركة تدور بضراوة على صفحات الرأي منذ عدة أشهر بين كُتاب "اليمين" و"اليسار" الفرنسيين، وكانت البداية –كما يمكن أن نتوقع- من تشكيلة الحكومة الجديدة برئاسة فرانسوا فييون. صحيفة لوموند عنونت طريقة تشكيل الحكومة الجديدة بعبارات لاذعة تقول: "ساركوزي يضع حرسه المقربين في المواقع- المفاتيح"، مشيرة إلى تعيينه لشخصيات لصيقة به كرئيس الحكومة الجديد فرانسوا فييون ووزيرة العدل رشيدة داتي، وأخرى ذات وزن ثقيل في حزبه كآلان جيبيه وميشال آليوماري وجان لوي بارلو، وذلك لمعرفته بأنه في أمسِّ الحاجة إلى خبرتهم، ولتفادي أي "تمرد" محتمل من قبلهم، من شأنه أن يدمر المعبد على رأسه وهو المقبل على انتخابات تشريعية وشيكة جعل عملياً طريقة تشكيل الحكومة تعبيراً من تعبيرات حملتها المحمومة. أما في صحيفة لومانيتيه فيرى باتريك آبل مولر أن تعيين فرانسوا فييون على رأس الحكومة ليس له سوى معنى واحد وهو أن فرنسا مقبلة على عهد جديد من التغوُّل الليبرالي الذي لا يرحم، وهذه حقيقة لا تخفيها حُجب ولا أقنعة الاصطفافات الماكرة في الحكومة الوليدة. وفي افتتاحية بصحيفة ليبراسيون اعتبر "لوران جوفرين" أن عهد ساركوزي الموعود يبدو أنه حقاً سيكون منعرجاً حاداً في تاريخ الجمهورية الخامسة، يذكِّر بذلك الذي مثله انتخاب فرانسوا ميتران سنة 1981، والفرق هذه المرة أن الاتجاه يبدو أنه قوي إلى انتهاج سياسات يمينية محافظة على الطريقة الأنجلو- ساكسونية. والبداية تشكيل الحكومة نفسها، فمحاولات ساركوزي شق صفوف منافسيه السياسيين بتعيينه لبرنار كوشنر –الاشتراكي- على رأس دبلوماسيته، واستقطابه لوجوه بارزة من حزب فرانسوا بايرو، كل ذلك يعني سعياً ماكراً لتجريد "اليسار" و"الوسط" من أسلحتهما سلفاً، والعين طبعاً على التشريعات. إن مثل هذه التكتيكات تؤشر على مدرسة الرئيس الجديد السياسية، وهي مدرسة فيها الكثير من عقلية اليمين الأميركي، وفيها من البونابرتية ملامح أخرى أيضاً. وفي المعسكر الآخر خصص ألكسيس بريزيه افتتاحية لوفيغارو يوم أمس للدفاع دون تحفظ عن ساركوزي، وكانت بعنوان: "وراء الانفتاح... قطيعة" مؤكداً أن انفتاح سيد الأليزيه الجديد على منافسيه وضم بعضهم إلى جهازه الحكومي هو أبلغ تعبير عن وفائه بتعهده المتعلق بإحداث "قطيعة" مع ممارسات الماضي. ولكن منتقديه لا يرون ذلك، والخطأ كامن فيهم هم: "فعندما يشير الذكي بإصبعه إلى القمر، ينظر الغبي إلى الإصبع ذاتها، وليس إلى ما تشير إليه". بالنسبة لواشنطن... فرنسا عائدة: هذا هو عنوان مقال "سيمون سيرفاتي" أستاذ السياسة الخارجية في جامعة "أولد دومينيون" الأميركية، الذي تناول فيه توقعات الإدارة الأميركية من الرئيس الفرنسي الجديد، محاولاً استشراف أفق إعادة الدفء إلى العلاقات الأطلسية عامة، والفرنسية- الأميركية خاصة، التي تضررت بما فيه الكفاية في عهد الرئيس شيراك وما قيل عن "خيانته" لأميركا في حرب العراق. ويرى "سيرفاتي" أن الانطباع السائد الآن في واشنطن هو أن فرنسا قد عادت اليوم تقريباً إلى بيت الطاعة. وبغض النظر عن النزعة اليمينية الفطرية للرئيس الجديد، فإن مقاربته خاصة لطريقة إعادة ترميم البيت الأوروبي المتهالك، والقائلة إنه يستحيل بناء أوروبا دون فرنسا، تلازمها دائماً تأكيداته بأن بناء أوروبا لا يمكن أن يتم بالابتعاد عن أميركا. وسماع مثل هذا الكلام يطرب "المحافظين الجدد" الأميركيين الذين يريدون تفريغ الوحدة الأوروبية من الداخل، وتجريدها من أية خصوصية قد تجعلها بمنأى عن المشروع الأطلسي. وإذا تذكرنا الآن مآل محاولات شيراك استباق الأمور و"تمرده" على الأحادية القطبية الأميركية خاصة بمعارضتها قبيل اندلاع حرب العراق، ومحاولات توني بلير اليائسة التأثير على القرار الأميركي من الداخل بموالاته، دون قيد أو شرط، فإن أحادية واشنطن يبدو أنها ستدخل الآن عصرها الذهبي بعدما أصبحت قوى "الممانعة" كلها مختزلة في الثنائي "أنجيلا ونيكولا"، وهو ثنائي أضعف وأسهل مراساً في وجه سيد البيت الأبيض، بما لا يقارن مع سابقه. ولو تأملنا في حالة "نيكولا" تحديداً نجد أن رؤيته قد تختلف مع ذلك جزئياً عن موقف الرئيس بوش في بعض الملفات الدولية، إذ ليس محتملاً أن يقطع بشكل حاسم الآن مع مواقف شيراك من حرب العراق، طالما أن غالبية الأميركيين أنفسهم قد توصلت الآن في سنة 2007 إلى صواب ما توصل إليه شيراك سنة 2003، من عقم الحرب وعدم ضرورتها أو جدواها. كما سيكون موقف فرنسا من انضمام تركيا –المدعومة أميركياً- في الاتحاد الأوروبي أشد تطرفاً في معارضته، بل الأرجح أن يعمل ساركوزي على قطع المفاوضات من الأساس مع أنقرة. وثمة أيضاً إشارات متواترة بإمكانية قطع باريس لـ"المهمة" في أفغانستان. وفيما يتعلق بقضية الشرق الأوسط قد يحاول ساركوزي ولو مؤقتاً الاستفادة من تركة علاقات شيراك في المنطقة، وهي علاقات ناجحة وعميقة ويعترف الرئيس الجديد بإيجابياتها الكثيرة. وتبقى الأنظار معلقة الآن على مواقف ساركوزي في قمة الثماني المقبلة، لأنها ستكون أول فرصة يعلن فيها الرئيس الفرنسي الجديد سياساته الخارجية ومواقفه النهائية في أكثر من أزمة دولية. وهو موعد يبدو أن الأميركيين ينتظرونه هم أيضاً بفارغ الصبر أيضاً. معارك عبثية في غزة: مجلة الأكسبريس نشرت تغطية موسعة للاشتباكات بين مقاتلي "فتح" و"حماس" في غزة مبرزة مشاهد مؤثرة من وجوه المعاناة اليومية التي يتجرعها سكان القطاع الذين وجدوا أنفسهم، دون سابق إنذار، وكأنهم عالقون في ملتقى النيران بين الحركتين المتصارعتين على السلطة. أما صحيفة لوموند فقد نشرت افتتاحية بعنوان "غزة: حسابات خاطئة"، تساءلت في بدايتها: هل قرر الفلسطينيون حقاً أن يدمروا أنفسهم؟ مشيرة إلى أن الضرر المترتب على هذه المواجهات العبثية لا يعدُّ فقط بأرقام القتلى، بل إن الضرر الأكبر هو الحاصل في "عدالة القضية" الفلسطينية برمتها. ومع أنه من غير المرجّح أن يتمكن أي من الفصيلين من تصفية الآخر وهزيمته، ومع مسؤولتهما معاً عما يجري من عبث وعدمية، فإن مسؤولية المجتمع الدولي أيضاً لا يمكن نكرانها كذلك. فلطالما توالت تقارير البنك الدولي محذرة من خطورة الأوضاع الاقتصادية والإنسانية في غزة، وهي أوضاع زادها تردياً الحصار الدولي على الفلسطينيين بعد انتخاب "حماس"، وبات القطاع بالتالي كبرميل جاهز سلفاً لأي انفجار، وهو وضع ظل سلفاً مؤهلاً له منذ الانسحاب الإسرائيلي الخداع من غزة. وتقول لوموند إنه على رغم الاختراقات المسجلة منذ توقيع "اتفاق مكة" وإعادة طرح مبادرة السلام العربية، فإن تكرار الانتكاسات المتوالية هو ما يبدو أنه الأكثر ترجيحاً، طالما أن المجتمع الدولي لم يعطِ أولوية سابقة على أي شيء آخر، لحل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. فالوهم الإسرائيلي بإمكانية تصفية "القضية" عسكرياً، والوهم الأميركي بإمكانية وضعها على الموقد الخلفي، والوهم العربي– الأوروبي بإمكانية علاجها بمسكِّنات عابرة من المساعدات الاقتصادية المتقطعة، كل ذلك لا يعني سوى أن الأسرة الدولية ما زالت تراهن على حسابات خاطئة في غاية الخطأ، إن لم تكن غبية حقاً، وغير ذات فائدة، لتهدئة حرائق نزاع بالغ التعقيد، وبالغ الكثافة الرمزية أيضاً. إعداد: حسن ولد المختار