بترشيح القادة الأفارقة لزيمبابوي -البلد الذي تصل فيه نسبة التضخم معدلات قياسية، وتلوح فيه نذر المجاعة فضلاً عن نزوع استبدادي واضح- لرئاسة لجنة التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة خلال الأسبوع الماضي، فإنهم يكونون قد وجهوا للعالم رسالة محددة. فبإسناد الرئاسة لفترة عام كامل للرئيس الزيمبابوي "روبرت موجابي" تكون أفريقيا قد أعلنت تحديها للغرب الذي سعى طيلة السنوات الأخيرة إلى عزل زيمبابوي رداً على مزاعم انتهاكها لحقوق الإنسان وسوء الإدارة الاقتصادية. فقد تنامى الشعور بالإحباط لدى العديد من الدول الأفريقية بسبب السياسات التنموية للدول الغربية المانحة التي تتراءى لهم على أنها قاسية وتتدخل في الشؤون الداخلية للدول. وهكذا فعندما تلغي أستراليا جولة لفريقها في رياضة الكريكيت إلى زيمبابوي، كما فعلت هذا الأسبوع، وعندما يرفض الاتحاد الأوروبي عقد قمة أوروبية- أفريقية طيلة الست سنوات الأخيرة بسبب "موجابي"، فإن العديد من الأفارقة ينظرون إلى تلك الضغوط على أنها من عادات الاستعمار الجديد التي يتعين كسرها والقطع معها. والواقع أن سياسة موجابي القائمة على مصادرة الأراضي من المزارعين البيض، وحديثه عن العدالة الاجتماعية، يجدان لهما صدى قوياً لدى العديد من الأفارقة. وفي هذا الصدد يقول "بيتر كاجوانجا"، وهو باحث بارز في مجلس العلوم الإنسانية في "تشوين" (بريتوريا سابقاً): "إنها سياسة حافة الهاوية بين أفريقيا والغرب، حيث مازالت العديد من الدول الأفريقية تصارع لتجاوز التركة السياسية والاقتصادية للماضي الاستعماري والعنصري. لذا فهي تتعاطف بشكل أو بآخر مع الخطوات الجريئة التي يقوم بها موجابي، والتي تعجز هي نفسها عن القيام بها". وبينما يدرك أغلب القادة الأفارقة استحالة تبني مواقف موجابي المعادية للغرب، بسبب تكلفتها الاقتصادية الباهظة، فإن "كاجوانا" يقول إن أفريقيا ترمي بثقلها وراء زيمبابوي لإظهار قوتها أمام الغرب، وأنه لا يمكنه الاستخفاف بها. ويعني ذلك أن ترشيح "زيمبابوي" للوكالة الأممية خلال هذه السنة قد لا يكون سوى البداية. ويربط "كريس مارولينج"، وهو خبير بارز من زيمبابوي في معهد الدراسات الأمنية في "تشوين"، هذا الانجذاب الأفريقي إلى خطاب موجابي حول "ازدواجية المؤسسات الغربية"، بوجود "استياء عام لدى الأفارقة من مسألة فرض شروط على المساعدات". لكن في الوقت الذي يقر فيه "مارولينج" بالهوة المتنامية بين الغرب وأفريقيا، فإنه يعتبر اختيار زيمبابوي لترؤس اللجنة الأممية للتنمية المستدامة خطأً جسيماً، موضحاً ذلك بقوله "إنه من المؤسف أن ترفع راية رجل ديكتاتوري فقط لإعلان موقف معين. وإذا كان من اللازم إشراك أصوات أفريقية في قضايا التنمية، أعتقد أن موجابي هو واحد منها". وقد تحولت زيمبابوي إلى دولة منبوذة في الغرب، حيث لا تتوقف الصحف البريطانية عن نعت موجابي بـ"بوب المجنون"، كما أعلنت أستراليا بعد يوم واحد عن إلغاء زيارة فريقها للكريكيت إلى زيمبابوي أنها ستنفق 15 مليون دولار لدعم منتقدي موجابي. لكن بالنسبة للعديد من الأفارقة، يعتبر موجابي بطلاً حقيقياً، بوصفه رجلاً استطاع الوقوف في وجه الغرب وانتزاع الأراضي من البيض الذين حصل أجدادهم عليها عن طريق الغش والاحتيال. وليست هذه هي المرة الأولى التي تبدي فيها أفريقيا استقلالها في القضايا الدولية خلال العقد الأخير. فقد رحب القادة الأفارقة بالقروض الصينية التي لا تشترط إصلاحات اقتصادية وسياسية، خلافاً لتلك التي يمنحها البنك الدولي. كما قامت جنوب أفريقيا خلال فترة عضويتها في مجلس الأمن الدولي بالتصويت ضد فرض عقوبات على بورما وزيمبابوي بسبب سجليهما في حقوق الإنسان، فضلاً عن مساندتها لجهود إيران لتفادي عقوبات دولية بسبب برنامجها النووي. وخلال المؤتمر الذي عقدته مجموعة أفريقيا الجنوبية للتنمية في مارس الماضي بالعاصمة التنزانية "دار السلام"، دعا رئيس جنوب أفريقيا "ثابو مبيكي" إلى التركيز على الوحدة الأفريقية قبل أي شيء آخر، وقال "إن الحملة ضد زيمبابوي هي حملة ضدنا جميعاً. فاليوم زيمبابوي، وغداً ستكون جنوب أفريقيا، وقد تكون الموزمبيق، أو أنجولا، أو أية دولة أفريقية أخرى. وأية حكومة تبدي مقاومة ضد الإمبرياليين تتم مواجهتها وإضعافها. لذا دعونا نوحِّد جهودنا وإلا سينتقل الضعف إلى أفريقيا بأسرها". وفي اختتام المؤتمر أجمع القادة الأفارقة على مساندة زيمبابوي، وطلبوا من "مبيكي" التوسط بين موجابي ومعارضيه للخروج من الأزمة الدائرة في البلاد. ـــــــــــــــــــ مراسل "كريستيان ساينس مونيتور" في جنوب أفريقيا ـــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"