كما نعلم جميعاً، فإن هناك اعتقاداً خفياً ما، بفكرة جيدة ملهمة، لم يحن وقتها بعد. وربما يسري هذا الاعتقاد حتى على رؤساء الولايات المتحدة الأميركية المتعاقبين. أما الذي أشير إليه هنا على وجه التحديد، فهو المشروع الأميركي الحالي، الرامي إلى إنشاء موقع دفاعي جديد لنظام الصواريخ البالستية في كل من جمهوريتي بولندا والتشيك. والمقصود بهذا النظام أن يكون مكملاً لما جرى بناؤه هنا قبل بضع سنوات في كل من ولايتي كاليفورنيا وألاسكا. أما الهدف الاستراتيجي وراء هذا الدرع الصاروخي، فهو حماية كل من الولايات المتحدة الأميركية والقارة الأوروبية ضد أي هجمات صاروخية محتملة عليهما من مواقع شرق أوسطية. وعلى رغم أهمية هذه الفكرة على المدى البعيد، فإن الفوائد الدفاعية الاستراتيجية القصيرة المدى التي يمكن جنيها منها، من الضآلة إلى درجة لا تستحق أن نخسر بسببها علاقتنا بروسيا، خاصة وأنها أخذت في التدهور إلى مدى بعيد مؤخراً. وبدلاً من الدفع باتجاه تنفيذ هذه الفكرة في الوقت الحالي، آخذين في الاعتبار بُعد احتمال توجيه أي ضربات صاروخية كهذه على الولايات المتحدة وأوروبا من منطقة الشرق الأوسط، فإن علينا أن نترك للرئيسين الجديدين اللذين سيتوليان قيادة كل من أميركا وروسيا، النظر في إمكانيات واحتمالات تنفيذ هذه الفكرة خلال العامين 2009-2010، خاصة وأن الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين، لن يكون بمقدوره الترشح لدورة رئاسية ثالثة، بموجب نصوص الدستور. وكما هو مخطط له، فإن النظام الدفاعي الصاروخي الجديد المراد نصبه، يتألف من جهاز رادار واحد منصوب في جمهورية التشيك، مصحوباً بعشرة نظم اعتراض صاروخي منصوبة في بولندا. وعلى رغم تواضع هذا النظام من حيث السعة والحجم، فإنه سرعان ما أصبح محوراً رئيسياً للنظام الأمني الاستراتيجي في القارة الأوروبية اليوم. ومن جانبها تبذل واشنطن جهوداً متصلة لإقناع الروس بأنها لا تنوي إشعال فتيل الحرب الباردة بينهما مجدداً. وضمن تلك الجهود، عرضت واشنطن على روسيا، توفير معلومات تفصيلية مفصلة وموجزة في ذات الوقت عن قدرات النظام الدفاعي المراد نصبه في دولتين مجاورتين لها، إلى جانب تبادل المعلومات معها في كل ما يتعلق بأي معلومات إنذار مبكر يتم الحصول عليها من النظام المعني. إلى ذلك حاولت وزيرة الخارجية الأميركية "كوندوليزا رايس"، إبرام هذه الصفقة مع موسكو يوم الثلاثاء الماضي، إلا أن الأخيرة ظلت متمسكة برفضها للفكرة من أساسها. وليس ذلك فحسب، بل لقد هدد الرئيس الروسي علناً بتعليق عضوية بلاده في معاهدة "القوى التقليدية في أوروبا"، في حال تجاهل واشنطن لروسيا ومضيها قدماً في تنفيذ خطتها الدفاعية المشار إليها. وعلى رغم تأييد الكثير من الدول الأعضاء في حلف "الناتو" لفكرة النظام الدفاعي الصاروخي هذه، فإن هناك تساءلاً حائراً بينها، حول الأسباب التي دفعت واشنطن إلى جعل هذا النظام اتفاقاً ثنائياً بينها وبين جمهوريتي التشيك وبولندا فحسب، خاصة وأن كلتا الدولتين ليست سوى عضو جديد متواضع في إطار الهيكل العام الأوسع نطاقاً وأهمية لحلف "الناتو" في مجموعه؟! بل ولعل السؤال الأكثر إلحاحاً وأهمية هو تسرع واشنطن وحماسها الزائد للإسراع في تنفيذ النظام الدفاعي المذكور، لاسيما وأن قدراته محدودة في الأساس؟ فمن الناحية النظرية الدفاعية البحتة، فإنه ليس في مقدور نظم الاعتراض العشرة التي يتضمنها النظام -والتي من المقرر نصبها في جمهورية التشيك كما سبقت الإشارة من قبل- إلا الاعتراض على عشرة رؤوس حربية فحسب، مع العلم بأنها لن تتمكن من تدمير ما يزيد على الاثنين منها فحسب، تحت أحسن الفروض والأحوال. وبالنظر إلى ضيق المدة الزمنية المطلوبة لتدمير صاروخ موجه إلينا أو إلى أوروبا من منطقة الشرق الأوسط -وهي مدة زمنية لا تتجاوز العشرين دقيقة على الأرجح- فإن ذلك يطالبنا بإطلاق عدد كبير من الصواريخ المضادة، بهدف تدمير واحد من الصواريخ الهجومية لا أكثر. ثم أضف إلى ذلك أيضاً حقيقة أنه ليس في وسعنا إطلاق صاروخ دفاعي اعتراضي واحد، ثم ننتظر برهة من الوقت لنرى ما إذا كان ذلك الصاروخ قد أصاب هدفه أم لا. وفوق ذلك كله، فنحن نعلم جميعاً، جملة المصاعب التي تواجهها قواتنا في اختبار الصواريخ التابعة لـ"الدرع الصاروخي الباسفيكي". وللعلم أيضاً فإن هذه الصواريخ الاعتراضية المقرر إطلاقها في الحالات الدفاعية من قواعد تقام في منطقة أوروبا الوسطى، إنما يتوقع لها أن تشغّل بكفاءة تكنولوجية حربية أقل بكثير مما هو مطلوب ومفترض. ومن الصعيد الآخر، فلابد من الاعتراف بأن تشدد موسكو في رفضها لهذه النظم الصاروخية، لن يعود عليها بفوائد استراتيجية تذكر في واقع الأمر، بقدر عدم تهديدها لأمنها الاستراتيجي بأي درجة من درجات الخطر الاستراتيجي. ولما كانت لموسكو بضعة آلاف من الصواريخ البالستية، فإن ذلك لا يعني شيئاً آخر -في حال نشوب حرب نووية غير متوقعة بينها وبين الغرب- سوى أن هذه النظم الصاروخية التي سيجري تشغليها -في تلك الحالة- من منطقة وسط أوروبا، لن تكون مثل إطلاق "سرب من الذباب" في مواجهة صواريخ "البازوكا". ولسنا بحاجة إلى القول في تفنيد بطلان حجج المعارضة الروسية لهذه النظم، إنه لا يستبعد أن تفعل موسكو ما يمكن أن تفعله الدول المارقة، من تضليل لتلك النظم وإبطال مفعولها بشتى الحيل والخدع التكنولوجية العسكرية المعروفة. غير أن الحقيقة الفعلية وراء هذا الاعتراض الروسي المتشدد على النظم إياها، إنما يفسر بتخوفها مما ستكون عليه صورة أميركا على النطاق العالمي كله، في حال اكتمال نصب النظم الدفاعية هذه، مع العلم أن هذه الصورة ستعزز من دورها ومكانتها باعتبارها قوة عسكرية وحيدة ضاربة في عالم اليوم، وباعتبارها قوة عظمى لا تبارى. وهذا هو الشعور نفسه، الذي يثير أعصاب الأوروبيين وحفيظتهم في آن. ولذلك فهل من الحكمة أن تصر واشنطن على المضي قدماً في بناء هذه النظم الدفاعية، متجاهلة موقف روسيا واعتراضاتها، من أجل تحقيق هدف لا تبدو فوائده الدفاعية الاستراتيجية قريبة في المستقبل القريب؟! ــــــــــــــــــــ زميل أول بمؤسسة بروكنجز ومؤلف مشارك لكتاب "القوة الخشنة" ـــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"