في مقالي السابق تعرضت لأهمية التربية، لأنها هي الأساس، الذي نريد أن نعد الجيل القادم بناء عليه. وهذا ما أردته بصريح العبارة. وهنا أشكر ميثاء المهيري التي عقبت على المقال بالتركيز على أهمية التربية عند إعدادنا للمتعلمين. ومن جانب آخر تحية لسلامة اليبهوني التي طرحت العديد من التساؤلات حول المقال، والتي ختمت تعليقها بعبارة جداً مؤلمة حيث قالت: "لم يبقَ من التربية إلا الفُتات". نظرة فيها نوع من التشاؤم الحذر من وجهة نظري الشخصية، ولكن ما قصة القتل بخيط من حرير؟ تمر الأمم والشعوب خلال تطورها بعقبات تؤثر سلباً على عملية التنمية المستدامة فيها، ولعل أبشع تلك المواقع الحالة التي تتعرض فيها الدولة إلى حرب معلنة من أمة ثانية تريد استلاب بعض خيرات تلك الدولة. وفي هذه الحرب المعلنة، فإن الدول تعد العدة المناسبة فترد على تلك الحرب بمواجهه مشروعة تحت مبدأ الدفاع عن النفس، وفي الحرب المعلنة هناك ضحايا من الطرفين، فأرواح تزهق وممتلكات تدمر، ولكن تعرف الدول عبر مثل هذه المواقف العدو من الصديق. ولله الحمد فإن نسبة انتشار الحروب بين الدول في انحسار، فالعالم ملَّ وكلَّ من الحروب المدمرة ونتائجها المأساوية. ولكن هناك حرباً من نوع آخر سادت بين الأمم والشعوب وهي حرب الاستلاب الحضاري أو القتل بخيط من حرير. فالدولة المعادية لدولة أخرى اليوم، لا تعلن تلك العداوة بل توريها بشيء من الذكاء الاجتماعي، فمثلاً بدلاً من الحصار الاقتصادي الذي كان إحدى أدوات الحروب القديمة قد تتبرع دولة لأخرى بالمال مثلاً على شكل قروض. وعندها يصبح اقتصاد تلك الأمة مرتبطاً بالفوائد التي ترهق الميزانية، ومن ثم تصبح تلك الأمة أسيرة للدول المانحة، فهذه حرب اقتصادية، قد لا تكون معلنة ولا يفهمها إلا أولو الألباب. نوع آخر من الحروب غير المعلنة هي تلك التي ترتبط بالتعليم. فهناك دول تقدم خدمات تعليمية صورتها الظاهرة تطوير التعليم في أمة ما، ولكن هذه الخدمات لا تخلو من مخاطر لعل منها الانسلاخ القيمي لمخرجات هذا النوع من التعليم، فينشأ جيل قد يرتدي الغترة والعقال أو العباءة لكنه مفرغ من داخله، فهو جسد روحه لا تتطابق مع ظاهره. هذا الجيل مثلاً قد يتنكر للغته، فتراه مرتاحاً جداً للتخاطب بلغة أجنبية اعتقاداً منه أنه بهذا أصبح متحضراً أكثر من غيره. وقد مرت على بعض الدول العربية تجارب عبر تاريخها المعاصر، ففي بعض دول المغرب العربي نشأ جيل انسلخ من العربية إلى الفرنسية، التي أصبحت مصدر إلهامه وطريقة تفكيره. وقد يقول البعض: وما خطورة الانسلاخ اللغوي؟ أقول لكم كما قال لي الخبير الياباني يوماً أثناء زيارتي لبلده حين سألته عن سر تمسك اليابان بلغتها رغم صعوبتها حيث قال: "اللغة ليست وسيلة خطاب فقط بل هي طريقة تفكير". نعم فما بعد اللغة أشياء قد تقدح في انتماء هذا الإنسان وولائه لدولته ومجتمعه، حيث يرى في دولة اللغة التي يتقنها النموذج الذي ينبغي أن يحتذى بحذافيره، خيره وشره، حلوه ومره، وهنا يتحقق القتل لكن بخيط من حرير. فمن كان منا يعتقد أن التربية هي وسيلة من طرق الذبح البطيء، تلك نظرية ما زال البعض مشككاً فيها. نحن في عصر العولمة التي ليس بإمكان أحد أن يسد دونها الأبواب. وشخصياً أعتقد أن تعلم اللغات الأجنبية باب ينبغي التقدم فيه، لأننا بحاجة إلى معرفة أهم ما توصل إليه الآخر، ومن هنا كان لزاماً علينا إن أمكن تعلم أكثر من لغة، ولكن العيب كل العيب والخطر المحدق، هو أن يكون ذلك على حساب لغتنا القومية. عند الآخر معايير أصبحت عالمية، بإمكاننا الاستفادة منها، ولكن تلك المعايير لا تعني أبداً أن نكون نسخة من الآخر إلا إذا أردنا أن نستسلم في حرب الخسارة فيها صعبة جداً.