من الامتلاك الفعلي لدول الغرب وإسرائيل للأسلحة النووية، ومن إصرار بعض دول العالم النامي على امتلاكها، يتكون لدى المرء اقتناع بأن ذلك السلاح أصبح رمز الأمن لدى تلك الدول. ومن خلال ما تبديه شعوب دول الغرب من صمت إزاء امتلاك بلدانها للسلاح النووي، ومن التأييد الأعمى الذي تبديه بعض شعوب العالم النامي تجاه سعي حكوماتها لامتلاكه، فإن من المؤكد وجود شيء مخادع بالنسبة لفائدة تلك الأسلحة في توفير الأمن لتلك الشعوب. إن من الواضح أن شعوب كلا الفريقين قد أُجبرت على الاقتناع بأنه من واجبها الثقة في الأسلحة النووية، وهنا تكمن الطامة الكبرى، فالردع النووي في تقديرنا، لا يشكل ولا يمكن له أن يشكل، أساساً قوياً يعتقد به لأمن الدول. ما نفهمه هو وجود متطلبات أساسية لأية سياسة دفاعية أثناء حدوث الأزمات، وأحد تلك المتطلبات هو أن تكون الجهات صاحبة القرار عقلانية ورشيدة في سلوكياتها، لذلك فإن هذا المتطلب لابد له أن يحتوي على أمرين هما: أن يكون ذا مصداقية من جانب، وغير استفزازي من جانب آخر أمام أي عدو محتمل. إن التهديد العشوائي باستخدام الأسلحة النووية لا يمكن له أن يفي بذلك المتطلب الأساسي، فكل ما يمكن له أن يفعله هو أن يعمل على إخفاء خطر إمكانية حدوث كارثة عالمية تحت مسمى تحقيق الأمن. ما أريد الإشارة إليه ليس هو خطر عدم كفاءة الردع النووي فقط، ولكن إلى التداعيات الأخلاقية المرتبطة بالثقة المفرطة في الاعتماد على الأسلحة النووية كحافظٍ للأمن. فأولاً، إن ذلك يعني وضع إنتاج الأسلحة النووية كأولوية قصوى تفوق توفير المتطلبات الأساسية من غذاء وصحة وتعليم للشعوب، ويعني أيضاً قيام الحكومات بتبذير الموارد النادرة في إنتاج أسلحة عديمة النفع من الناحية الفعلية. من المحزن حقاً هو أنه مع مطلع كل صباح تقوم أمم الأرض، غنيُّها وفقيرها، قويُّها وضعيفها، بإنفاق مليارات الدولارات على الأسلحة في نفس الوقت الذي يموت فيه آلاف البشر جوعاً، ومن جراء فتك الأمراض بهم. إن الأسلحة النووية هي الصورة الأوضح للطريقة التي أعمانا فيها التسليح كبشر، عن إدراك حقيقة أن التسلح بكافة أنواعه يعتبر وبالاً على البشرية ويعيق التنمية التي يمكن عن طريقها حل مشاكل جياع هذا العالم. ثانياً، أن الردع النووي يعني التهديد بمقتل ملايين البشر الأبرياء، على افتراض حماية طريقة في الحياة تقوم على قيم تعتبر أساساً لاستمرارية المجتمع المتمدن، ولكن ذلك يبعث فينا الحيرة وربما الإحباط، فكيف يمكن وصف شعب أو مجتمع أو حكومة بأنه متمدن عندما يتبنى فكراً لو أراد حمايته، يكون مستعداً لشن حرب إبادة جماعية نووية ضد مجتمع أو شعب أو حكومة يفترض جدلاً أنها مارقة لأنها لا تتفق معه في قيمه المجتمعية وفكره وثقافته. فإذا ما كان المجتمع المعني لا يستطيع حماية فكره أو أيديولوجيته أو عقيدته إلا عن طريق التصريح لحكومته باستخدام أسلحة الدمار الشامل ضد أولئك الذين يفكرون بطريقة مختلفة، فإنه يحق لنا عندئذٍ التساؤل عن كون أن ذلك المجتمع يؤمن حقيقة بالقيم التي يدعي أنه يعتنقها. ثالثاً، إننا كبشر، نعيش ونحن واهمون بأن الأسلحة النووية بعيدة عن أن تنال منا، لأننا لن نتعامل معها بشكل مباشر، وهي حكر على مجموعة من المتخصصين والخبراء ونحن لسنا على علم أو فهم للخطط المرسومة بشأنها والأهداف الموجهة إليها أو تعليمات إطلاقها التي يصدرها أولئك الخبراء والمتخصصون، أو تلك التي تجعلهم يمتنعون عن الإقبال على استخدامها، إن قناع السرية وذرائع التكنولوجيا المتقدمة التي تساق تحجب عن بصائرنا الحقائق المرة. رابعاً: الردع النووي في تقديرنا يعمل في صالح الحكومات المخادعة والمضللة وغير الأمينة على سلامة البشرية. خامساً: إن الردع النووي هو المنبع الأساسي للعنف الاجتماعي، ومعظم المجتمعات عليها العيش مع مشكلات الجريمة والعنف وانعدام القانون والنظام. ما يحدث بالنسبة للردع النووي، هو أن الحكومات تقوم بالتأكيد لشعوبها بأن التهديد باستخدام الأسلحة النووية، هو أفضل طريقة يتم بها ضمان عدم استخدام تلك الأسلحة قطعياً، وذلك لكي يتم منع القلق الشعبي الذي يتولد، لذلك فإنه إذا كان السعي إلى امتلاك الأسلحة النووية والتهديد باستخدامها هو مجرد مناورة، فإن تلك المناورة خطيرة، لأنه من المحتمل أن يقرأ العدو الإشارة بشأنها بشكل خاطئ، ويفهم الاستعدادات التي تجري ضمن المناورة لاستخدام الأسلحة النووية على أنها رغبة حقيقية في استخدامها بالفعل، وعندها قد تحدث الطامة الكبرى ويقوم العدو بالمبادرة عن طريق توجيه ضربة وقائية، وإذا لم تكن مناورة، فإن مواطني الدولة التي تهدد باستخدام السلاح النووي يخبرون بأنهم سيكونون آمنين إذا قامت حكومتهم بتوجيه ضربة نووية استباقية إلى العدو، في الوقت الذي هم فيه ليسوا آمنين في الواقع. لذلك فإنه من ناحية أخلاقية، يعد التهديد باستخدام السلاح النووي سيئاً جداً بقدر ما يشكله استخدام ذلك السلاح من سوء. وفي تقديرنا فإن الردع النووي هو جريمة نكراء ضد البشرية في طريق التكوين، ومثلها مثل بقية الجرائم، فهي تقوم على الخداع وعدم الأمانة الأخلاقية.