بالرغم من التماسك الظاهري الذي يحاول أن يبديه رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت، وبالرغم من تأكيده المتواصل على أنه باق في منصبه بغض النظر عن تصاعد الدعوات إلى استقالته، وخاصة في أعقاب تقرير "لجنة فينوجراد" بخصوص فشل الدولة الصهيونية في حرب لبنان الأخيرة، فقد بات من المؤكد في الأوساط السياسية والإعلامية والجماهيرية في الكيان الصهيوني أن "أولمرت" لم تعد أمامه سوى أيام معدودة في موقعه على رأس الحكومة، بل وربما في موقعه في الحياة السياسية بوجه عام. والواقع أن الاتهامات التي وجهتها "لجنة فينوجراد" إلى "أولمرت"، ومن بينها "سوء التقدير" و"التهور" في اتخاذ قرار الحرب وإدارتها فضلاً عن "الإخفاق" في تحديد أهداف الحرب على نحو دقيق، جاءت لتؤكد ملامح الصورة التي أخذت تتشكل في أذهان الساسة والجمهور بصفة عامة عن "أولمرت" منذ توليه منصب رئاسة الحكومة، وهي صورة تجمع بين التردد والغطرسة والفساد والعجز عن القيادة، حتى أصبح يُوصف بأنه "الأشد فساداً وفشلاً" بين رؤساء الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة. وقد تضافرت عوامل عدة في تشكيل هذه الصورة. فهناك أولاً التحقيقات والدعاوى القضائية التي يواجهها "أولمرت"، وبعضها يتعلق بوقائع فساد مالي كان ضالعاً فيها مع زعيمه أرييل شارون قبل أن ينشق الاثنان عن "حزب الليكود" ويقررا تشكيل "حزب كاديما"، بينما يتعلق البعض الآخر بمخالفات ارتكبها في تعيين بعض المقربين في وظائف سياسية وإدارية وتنطوي على إساءة استغلال لمنصبه كرئيس للحكومة (صحيفة هآرتس، 5 سبتمبر 2006). وهناك ثانياً العجز عن شغل الفراغ الناجم عن غياب شارون، بشخصيته القيادية وتاريخه العسكري والسياسي، سواء في قيادة "حزب كاديما" أو في تسيير أمور الحكم بصفة عامة، وهو الأمر الذي انعكس في النتائج الهزيلة التي أحرزها الحزب في انتخابات "الكنيست" في مارس 2006، مما جعل الحزب مضطراً للدخول في ائتلاف حكومي هش وغير متجانس مع منافسه العتيد "حزب العمل" وبعض الأحزاب الصغرى، كما انعكس لاحقاً في الصراعات داخل "حزب كاديما" وبروز أصوات معارضة، مثل وزيرة الخارجية "تسيبي ليفني" ووزير الداخلية "آفي ديختر"، وكذلك في استقالة أكثر من وزير من الحكومة احتجاجاً على نهج "أولمرت"، وكان آخرهم الوزير "إيتان كابل" (صحيفة السفير، 16 مايو 2007). وهناك ثالثاً عجز حكومة "أولمرت" عن تحقيق أية إنجازات اجتماعية أو سياسية تقنع الرأي العام بأن ثمة قيادة جديدة محنكة تتولى زمام الأمور وتستطيع حل بعض المشاكل الاقتصادية والأمنية المزمنة، أو التخفيف من حدتها على الأقل. وهناك أخيراً فشل حكومة "أولمرت" في تحقيق أي من الأهداف الطموحة التي أعلنتها خلال حربها على لبنان في يوليو وأغسطس 2006، وما كشفه تقرير "لجنة فينوجراد" من أوجه قصور على الصعيدين السياسي والعسكري. ويمكن القول بأن بقاء "أولمرت" في منصبه حتى الآن لا يعود إلى مؤهلاته السياسية أو قدرات حزبه بقدر ما يعود إلى التخوف من البدائل المتاحة في حالة رحيله. فعلى المستوى الحزبي، سيؤدي سقوط "أولمرت" إلى احتدام الصراعات في صفوف "حزب كاديما"، خاصة وأن الطابع غير المتجانس الذي يتسم به تشكيل الحزب يوفر تربة خصبة لمثل هذه الصراعات. ويدرك أولمرت، كما يدرك قادة "كاديما"، أن أية انتخابات عامة في ظل هذه الظروف لن تزيد الحزب إلا ضعفاً وتمزقاً، ولن تؤدي بطبيعة الحال إلى عودته إلى سدة الحكم، بل الأرجح أنها ستفضي إلى "أن يغرق الحزب مع "أولمرت" وأن يتبدد أعضاؤه في كل الاتجاهات" (صحيفة هآرتس، 11 مايو 2007)، ومن ثم فإن جل أملهم هو "إطالة عمر الحكومة القائمة إلى أقصى قدر يمكن أن تتحمله الحلبة السياسية والجمهور..."، على حد تعبير "مايا بانجل" (صحيفة معاريف، 11 مايو 2007). وعلى مستوى الائتلاف الحكومي، لا يجد أي من الشركاء، وفي مقدمتهم الشريك الأساسي ممثلاً في "حزب العمل"، أية مصلحة في استقالة الحكومة وإجراء انتخابات مبكرة لأن كل التوقعات تشير إلى أن الرابح الأكبر منها لن يكون سوى "حزب الليكود" وزعيمه بنيامين نتانياهو. وتظهر استطلاعات الرأي أن المزاج السائد في صفوف كثير من الناخبين هو الرغبة في الانتقام من "حزب كاديما"، الذي يبدو مسخاً بلا هوية، ومنح أصواتهم لمرشحي "حزب الليكود"، الذي يبدو أكثر وضوحاً وتمسكاً بمواقفه المتشددة. ورغم التلميحات التي صدرت مؤخراً عن "حزب الليكود"، وتشير إلى إمكان التحالف مع "حزب العمل" مستقبلاً، فإن "حزب العمل" لا يزال على تخوفه من أن أي تحالف من هذا النوع سيكون على أرض "الليكود" ووفقاً للشروط التي يقررها (صحيفة هآرتس، 11 مايو 2007)، وهو ما يعني بقاء "حزب العمل" في موقعه الذيْلي الذي أفقده الكثير على مدى السنوات الماضية. وفي ظل هذه الظروف، يبدو موقف "أولمرت" من منتقديه والداعين إلى استقالته أقرب إلى العناد والمكابرة منه إلى الصمود والصلابة، ومجرد محاولة يائسة لكسب الوقت والخروج من الحكومة بأقل قدر من المهانة. وقد سبق لـ"أولمرت" أن مضى بهذا العناد إلى حد التبجح في شهادته أمام "لجنة فينوجراد"، عندما أصر على القول بأن الدولة الصهيونية "انتصرت" في حربها على لبنان بالرغم من دلائل الإخفاق التي وثقها تقرير اللجنة وأثبتها قبله الواقع الميداني وصمود المقاومة اللبنانية. وقد أصبحت مكابرة "أولمرت" هذه، بالإضافة إلى الملامح الأخرى لصورته التي تزداد اهتزازاً، محور كثير من كتابات المحللين السياسيين في الكيان الصهيوني. فعلى سبيل المثال، يرى "نداف إيال" (صحيفة معاريف،7 مايو 2007) أن محاولات "أولمرت" وزمرته للدفاع عن أنفسهم في مواجهة الانتقادات تعكس "نهجاً فكرياً فاشلاً يتسم برغبة شديدة في الهيمنة والتسلط". وبعد أن يشير الكاتب إلى "عجرفة أولمرت التي لا تنتهي" يخلص إلى أن: "لجنة فينوجراد لا تطلب الكثير من الساسة، فهي تريد منهم ألا أن يدركوا أن ما فعلته الحكومة أثناء الحرب، كان يفتقر إلى الاتزان والمسؤولية. ولا يدرك "أولمرت" هذا الأمر البسيط، الذي أصبح مفهوماً لدى الجمهور كله. ويمثل عدم الإدراك هذا خطراً شديداً على "أولمرت" نفسه، ولكنه أشد خطراً علينا جميعاً، ولهذا ينبغي عليه أن يرحل". ويرى "موريال مالتون" (صحيفة معاريف، 10 مايو 2007) أن ردود "أولمرت" على تقرير "لجنة فينوجراد" ووعوده بالعمل على تصحيح الأخطاء "تظهر أن أولمرت يعجز عن قراءة الوضع بصورة صحيحة. فالخلل الرئيسي الذي أشارت إليه اللجنة هو فشل ذريع في القدرة الشخصية لرئيس الحكومة على حسن التقدير والتصرف بشكل مسؤول وحذر. فكيف تستطيع حكومة أولمرت إصلاح هذا الفشل؟". وبالمثل، يذهب "روني سوفير" (صحيفة يديعوت أحرونوت، 11 مايو 2007) إلى أن أولمرت "لا يستطيع أن يقرأ العنوان الذي وضعته له لجنة فينوجراد، ومؤداه "لقد فشلت"... وإذا كان قد فشل، فإن هذه الحرب كانت فاشلة هي الأخرى". ويمضي الكاتب قائلاً: "يمكن لرئيس الحكومة أن يقدم نفسه باعتباره شخصاً ثابتاً لا يهتز، ولديه من الأسباب ما يؤيد قوله هذا. فالمعارضة ضده ولكنه واقف في مكانه، ولجنة فينوجراد ضده ولكنه لا يستقيل، وهناك مظاهرة عامة ضمت أكثر من 100 ألف شخص طالبته بالرحيل ولكنه تمسك بمقعده، والجمهور كله يسميه الفاشل، ولكنه لا يرحل. ولهذا فهو من الناحية الظاهرية شخص لا يخضع للضغوط. إلا أن لعبة "أولمرت" قد وصلت إلى نهايتها، حتى في نظر أقرب مقربيه... ولو أنه أقر بالخطأ وغادر موقعه، لربما كان بوسع الجماهير أن تغفر له مستقبلاً، ولكن ما دام متصلباً في مكانه فسوف تأتي الرياح التي تكسره". وإذا كان تقرير "لجنة فينوجراد" هو أول بوادر هذه الرياح المعاكسة، فمن الواضح أن "أولمرت" لن يكون الوحيد الذي يدفع ثمن الفشل، بل سيجر معه كثيراً من القادة السياسيين والعسكريين الذين لا يمكنهم التنصل من مسؤولية هذا الفشل مهما تشبثوا بالعناد والعجرفة. والله أعلم.