عندما وُقــّع "اتفاق مكة" بين الإخوة الفلسطينيين كان إنجازاً. تلاه إنجاز آخر هو تشكيل حكومة الوحدة الوطنية برئاسة السيد إسماعيل هنية. تفاءلنا وعلَّقنا آمالاً كبيرة على الإنجازين. واعتبرنا أن مسيرة جديدة انطلقت ستنتهي بإنجازات جديدة، لأن القوة الأساس للشعب الفلسطيني تكمن في وحدته وإرادته الواحدة الصلبة في مواجهة الاحتلال. وبعد ذلك، أجمع العرب في الرياض على المبادرة العربية، رافضين كل الضغوط لتعديلها. وكان تجديداً للتضامن وإنجازاً ثالثاً يدعم فلسطين وكل العرب ويضع إطاراً وصيغة للتحرك. وقد بدأ التحرك فعلاً في اتجاه العواصم الكبرى وإسرائيل. بالتأكيد إسرائيل بحكومتها المأزومة المهزومة وقياداتها العسكرية المتصارعة على السلطة بشهوة مفتوحة لاستهداف الشعب الفلسطيني وارتكاب المزيد من المجازر بحقه، رفضت الاتفاق والحكومة والمبادرة واعتبرت أن كل ذلك لا يفتـح باباً للسلام! تفاءلنا، واعتبرنا أن ذلك سيعزز الوحدة الوطنية الفلسطينية، ويدفع الفلسطينيين إلى تعزيز مسيرتهم وحمايتهم وتأكيد سلامة خيارهم الأخير. الإدارة الأميركية المسؤولة عن الكثير من المشاكل والنزاعات والصدامات والتوترات في المنطقة، وخصوصاً في فلسطين من خلال دعمها المفتوح لإسرائيل رفضت هي الأخرى الاتفاق والحكومة والمبادرة. اعتبرت الاتفاق غير كافٍ، والحكومة غير مقبولة لأن فيها حركة "حماس" "الإرهابية "! والمبادرة غير واقعية ومنطقية! ولم تفلح كل الاتصالات مع الإدارة لتغيير الموقف، بل كانت مقاطعة للحكومة وتغطية للإرهاب الإسرائيلي للانقلاب عليها رغم الاتصالات التي قامت بها الدول العربية المكلفة من قمة الرياض بتسويق المبادرة ومحاولة جمع تأييد لها. استقوت إسرائيل بهذا الموقف. تأثرت دول أوروبية أيضاً به. واستفادت دول عربية وإسلامية لم تكن في الأساس مرتاحة للاتفاق والحكومة والمبادرة، وإنْ كانت قد أعلنت مواقف كلامية عامة وملتبسة لكنها لم تكن قادرة على الرفض العلني المطلق والواضح، منذ إقرار الاتفاق وحتى اجتماعات اللجان الوزارية في القاهرة، وخلال اللقاءات مع المسؤولين الأميركيين والأوروبيين والدوليين. الموقف الأميركي هذا، كان عنصر تفاؤل آخر، بمعنى أنه يفترض تلقائياً تعزيز الموقف الفلسطيني الموحد. للأسف حصل العكس تماماً. ونجحت إسرائيل، وفرحت أميركا، وارتاح المتطرفون غير المرتاحين أساساً إلى الاتفاق والحكومة والمبادرة. عاد الاقتتال بين الفلسطينيين. راحت إسرائيل تروّج من جديد لفكرة أن ليس لديها شريك فلسطيني لتحقيق السلام، وتتصرف عملياً على أساس أن المتقاتلين هم أفضل شريك لها لاستمرار الحرب على الفلسطينيين! فهل ثمة مشهد أكثر ارتياحاً وفرحاً بالنسبة إلى الإسرائيليين من مشهد الاقتتال وتعميم مسلسل الاغتيالات بين الفلسطينيين أنفسهم وتدمير المؤسسات، وبث الأحقاد والتهديدات وقصف المراكز والقطاعات الأمنية لبعضها بعضاً، إلى جانب قيام الطائرات والدبابات الإسرائيلية بتنفيذ غارات وعمليات قصف على مواقع أخرى، استهدفت المزيد من القيادات الفلسطينية، وحصدت عدداً من الشهداء والجرحى وسببت الكثيــــر من الدمار والخراب؟ وترافق ذلك مع تحركات في ذكرى النكبة لتأكيد "حق العودة "، وتنظيم لقاءات ومؤتمرات، شارك فيها فلسطينيون صادقون وموثوقون يؤتمنون على القضية، وأيدها كثيرون كمبدأ لكن استغلها آخرون لتحقيق غايات وأهداف، لطالما حاولوا الوصول إليها على حساب الشعب الفلسطيني. فماذا كانت النتيجة؟ الناس تريد تكريس حق. والتأسيس للعودة إلى طريق النضال الأساسي، وهو القتال لرفع الاحتلال في ظل رفضه للاتفاق والحكومة والمبادرة، فإذا بهم أمام عودة إلى الاقتتال الداخلي، وليس في ذلك حق على الإطلاق! المشهد الفلسطيني كارثي ومأساوي وخطير. وإذا كان البعض يراهن على إضعاف الفلسطينيين، أو ضرب أو محاصرة "حماس" وغيرها من القوى التي لا تزال تقاتل وعلى رأسها أيضاً "كتائب شهداء الأقصى" إلى جانب كتائب "القسـّام" هم مخطئون وواهمون. فالمستقبل لهذا الجيل الفلسطيني الجديد، في ظل غياب الحل العادل من جهة وغياب القيادة الفلسطينية التاريخية من جهة ثانية والقيادة الإسرائيلية التي تحمل رؤيا وأملاً وقناعة بحل. في بداية الانتفاضة الأولى كان السلاح الفلسطيني "المنجنيق" والتحرك الشعبي في الشارع والحجارة. تطورت الانتفاضة وتطور السلاح، فكانت البندقية والقذائف والقنابل المصنوعة محلياً أو المهربة أو المشتراة من الإسرائيليين أنفسهم. ثم تطورت النوعية أكثر وبات الفلسطينيون يملكون قذائف مضادة للدبابات. ويصنعون ألغاماً وقنابل جديدة. وصواريخ ظهرت بدائية في أول الطريق حتى أصبحت مؤذية اليوم للمستعمرات الإسرائيلية، ويطال مداها مسافات لا بأس بها. وكلما اشتد الصراع، وطال أمده سيكون لدى الفلسطينيين مزيد من السلاح وبنوعية أكثر قدرة على إلحاق الأذى بأمن واستقرار الإسرائيليين ما دامت إرادة القتال والاستشهاد موجودة. وبالتالي إذا كانت النية صادقة في التوصل إلى حل، فإن "اتفاق مكة" والمبادرة العربية شكلا فرصة استثنائية للعبور إلى هذا الحل. وإذا كان البعض يعتبر "حماس" حركة إرهابية فيجب أن يتذكر أنها في السلطة منتخبة من الشعب الفلسطيني الذي عبـّر بإرادته بشكل حُر، وأنها جاءت إلى مكة ثم إلى الرياض لتؤكد التزامها باتفاق رعته مملكة الاعتدال، وبالإجماع العربي الذي التزم به العرب جميعاً. وهذه بحد ذاتها فرصة كبيرة ومهمة، وقد لا تتكرر، ولذلك لابد من الاستفادة منها، ومهما كان الموقف الأميركي والإسرائيلي، والذي من غير المتوقع أن يتغير عن مساره السلبي من الاتفاق والحكومة والمبادرة، فإن ذلك لا يبرر اقتتالاً بين الفلسطينيين، بل على العكس يؤكد ضرورة التوحد أكثر وعدم تقديم فرصة لا تقدر للإسرائيلي لتحقيق أهدافه.