لا أحب الكتابة بتشاؤم عدمي يدفع إلى اليأس، وأجهد في عدم تسويق الوهم باسم التفاؤل، أحاول السير بين بين، أسوس قلمي فوق حبل مشدود يسير بين التشاؤم اليائس وبين التفاؤل الساذج. أبشر بالأمل، ولا أبيع الوهم، وبيني وبين من يعيش الوهم ويتكسب على تسويقه عداء مستحكم لا نهاية له، فالواهمون أعداء العقل، وغياب العقل والتفكير العقلاني هو "أم النكبات" التي نعيشها منذ ألف عام تقريباً. كنا نستذكر بالمظاهرات نكبة فلسطين منذ نشأتنا، كانت المصائب شبه محصورة بالنكبة والنكسة -"فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، وكان الخامس عشر من مايو من كل عام ذكرى ضياع فلسطين عام 1948، مناسبة للمظاهرات والخطب والكلمات، ولا أبالغ إن قلت إنه كان فرصة لحشد الصفوف، ومحاولة لتعبئة النفوس، بل وبيع الوهم، وإخفاء بعض حقائق التاريخ. لم أكن أترك المناسبة تمر دون التطرق لها والحديث حولها لأبنائي، مؤكداً أن الصراع مع إسرائيل يبدأ بالتعليم الجيد واستغلال فرص العيش الكريم والتطور والتنمية على كافة الأصعدة، ومبيناً أن الصراع الميكروفوني والإذاعاتي قد ثبت فشله وهزيمته ونكبته ونكسته مراراً وتكراراً. أخرس اقتتال أحفاد شهداء النكبة في غزة أفواه من يريدون إحياء الذكرى جرياً على العادة السنوية، أربعون قتيلاً حتى كتابة هذا المقال والجرحى بالعشرات... اقتتال على سلطة وهمية، ودماء جرت لعروش وكراس وزارية خاوية من الصلاحية، مثلما قال وزير الداخلية الفلسطيني الذي استقال احتجاجاً على كرسي بلا أسنان الصلاحيات. لم توقف اتفاقات الهدنة هدر الدماء، ولم تبلغ المعاهدات ثمن حبرها وورقها، حتى الاتفاق الذي وقعه الإخوة الأعداء تحت البيت العتيق ضربوا به عرض الحائط، نردد ليل نهار: "اليهود دوماً يخلفون العهود". وقف إطلاق نار خرقه موقعوه قبل أن يجف حبره. النساء يولولن، والأطفال في حالة هلع ورعب. بعضهم كان يتمنى عودة الاحتلال إلى غزة سراً. اليوم، أصبح التمني مطلباً معلناً! شكراً لكم على نكبتنا الجديدة!! تتابع الأخبار فيأتيك صوت "فتحاوي" يلقي باللائمة على "حماسي" يلعلع ويهدد ويتوعد على الطرف الآخر من المقابلة الإعلامية.. تشعر بخجل النكبة الجديدة! تتساءل بأسى: هل يمكن أن يكون الخجل نكبة؟ وهل بعد النكبة نكبة؟ اخترنا للنكبة اسمها أملاً في ألا تتكرر، فجاء عام 1967 فأسمينا ما جرى نكسة، ودارت النكبات، ومرت النكسات، ونحن من نكبة إلى نكسة، وهكذا دواليك... حتى لغتنا الثرية التي نبتدع منها ما نشاء من الكلمات -نستخرجها من القواميس أو ننحتها من العدم- تقف فقيرة عاجزة أمام ابتداع أسماء لنكباتنا المتكررة. لم تحسب لغتنا أن النكبات يمكن أن تبتدع بهذا الحمق المتكرر. شكراً لكم يا أحفاد شهداء النكبة! شكراً لكم يا أبناء ضحايا النكسة! لقد حققتم لنا اكتفاء ذاتياً في النكبات. لم نعد نحتاج للصهيونية والإمبريالية والاحتلال والاستعمار كي يأتونا بالنكبات، نكباتنا "منا وفينا". تعجز المقالات عن صف أعداد النكبات التي صنعناها بأنفسنا لأنفسنا، ففي العراق كانت النكبة بتحول ضحية الأمس إلى جزار اليوم، ونكبة لبنان أن "الضيعة كلها زعما- من وين ييجي الشعب"، فكل طرف من أطراف الصراع يدير لبنان كمزرعة خاصة له، الوضع على شفا الانفجار، وسنلقي باللوم على الآخرين... كعادتنا!! عبدالحليم خدام يهاجم النظام السوري على الفضائيات ويتبرأ منه، نكبة ما بعدها نكبة! طيلة أربعة عقود وخدام هو النظام!!؟ أصبحت النكبة في ذكراها التاسعة والخمسين حدثاً تاريخياً مأساوياً، تتالت النكبات، فأصبح الحديث عن استذكارها عبطاً وملهاة عن النكبات التي نعيشها يومياً...