دأب قادة وزعماء مجلس التعاون لدول الخليج العربية على عقد قمة تشاورية نصف سنوية. ومثل هذه الاجتماعات، ومع قصرها، إلا أنها تحاول مراجعة مسألة تنفيذ القرارات التي يتخذها القادة الخليجيون في اجتماعهم السنوي الموسّع، والذي يعقد في ديسمبر من كل عام في إحدى عواصم دول المجلس. ومع أن القرارات التي اتخذت خلال الخمسة وعشرين عاماً الماضية من تاريخ إنشاء المجلس، يصل تعدادها إلى مئات القرارات، إلا أن مسألة وضعها موضع التنفيذ تحتاج بالفعل إلى وقفة جديدة. ففي كل دولة من دول المجلس هناك إدارة مختصة بشؤون مجلس التعاون تابعة لوزارات الخارجية، وتقوم هذه الإدارات بدور الوسيط بين الأمانة العامة للمجلس، والإدارات الحكومية الأخرى في الدول الأعضاء. وبينما تحاول الأمانة العامة متابعة القرارات والتوصيات التي يتخذها المجلس الأعلى (القمة الخليجية) أو المجلس الوزاري، وبشكل متصل مع الدول الست، إلا أن هناك حاجة ماسّة لتخفيف الإجراءات الإدارية وربط الأمانة العامة للمجلس، بضباط اتصال مباشرين في كل وزارة من وزارات الدول الأعضاء، حتى تتيسر عملية المتابعة، ويمكن وضع القرارات الجماعية موضع التنفيذ، خلال فترة قصيرة. وبمثل هذه الوسيلة يمكن أن يتحول العمل الخليجي من موضوع يخص السياسات الخارجية للدول الأعضاء من ناحية إجرائية، إلى موضوع يلامس السياسات الداخلية، وشؤون المواطنين والمؤسسات والشركات في الدول الأعضاء، كما هو قائم بالفعل. كما أن عملية تمويل الأنشطة الجماعية للمجلس تتم عبر ميزانيات محددة يتم اعتمادها كل عام، وبشكل متساوٍ من قبل كل دولة من الدول الأعضاء. ولاشك أن مثل هذا الترتيب كان كافياً في الماضي للإيفاء بالالتزامات الجماعية، مالية كانت أم إدارية، أما اليوم وبعد مرور ربع قرن على إنشاء هذه المنظمة وتعدد المهام والواجبات التي تقوم بها الأمانة العامة للمجلس، فإن هناك حاجة لخلق مجالات تمويل وإيراد مستقل تتولاها الأمانة العامة بشكل كامل. ويتم ذلك على أساس تخصيص جزء من الإيرادات الجمركية لدول المجلس، للأغراض والأنشطة الجماعية، وعلى أن تقوم الأمانة العامة بإعادة ضخ جزء من هذه الأموال إلى المناطق التي تعاني من تراجع في دخلها المحلّي، مثلما هو معمول به في المفوضية الأوروبية. ومن شأن مثل هذا الإجراء إعطاء هوية مالية مستقلة للأمانة العامة، مما يعطيها زخماً أكبر في إدارة الشؤون الاقتصادية والعامة في الفضاء الخليجي، خاصة ونحن على وشك الدخول إلى عملة خليجية موحدة، وسوق خليجي واحد. وحين يعود المرء إلى قمة الرياض في الخامس عشر من مايو الحالي، فإنه يرى أن هناك حرصاً من القمة على متابعة استكمال متطلبات السوق الخليجية المشتركة لتحقيق التكامل الاقتصادي الكامل بين الدول الأعضاء. حيث يؤمل أن تنتهي الفترة الانتقالية للاتحاد الجمركي في ديسمبر القادم. إضافة إلى ذلك، وكما بيّن البيان الختامي، فإن دول المجلس قد حددت أسماء الخبراء في المجال النووي الذين يمكن أن يساعدوا في وضع تصور أو خطة مستقبلية لاستخدام التقنية النووية للأغراض السلمية، ومن أهمها تحلية مياه البحر، على أن تكون هذه الخطة تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة النووية، في فيينا. ولم يغب عن القمة التدهور الحاصل على الأرض في قطاع غزه نظراً لتجدد الاشتباكات بين مقاتلي حركة "فتح"، ومقاتلي حركة "حماس"، وما سببه ذلك من تقديم وزير الداخلية الفلسطيني لاستقالته. ولاشك أن آلام الإنسان العربي تزداد، حين يرى المرء كيف أن هذا الاقتتال يحدث في وقت يتذكر فيه الفلسطينيون والعرب أجمع، يوم النكبة. وكأنما تحدث النكبة مرات عدة، أولاها حين يجبر المواطن الفلسطيني على ترك بيته ومزرعته، وثانيها حين يتقاتل أبناؤه من بعده في أراضٍ ومخيمات يباب، وقد فقدوا كل أمل في العودة وكل أمل في حياة كريمة. كما اهتم الزعماء الخليجيون بأحداث العراق، وعمليات التفجير اللاإنسانية التي تحدث كل يوم في ذلك البلد. وأبدوا أسفهم وألمهم لاستمرار حلقة العنف هذه، وعدم مقدرة الحكومة العراقية على السير بخطى حثيثة لإعادة صياغة وفاق وطني جديد يتساوى فيه المواطنون، بدلاً من تصنيفهم وتمييزهم على أساس عرقي وطائفي. وينتاب دول الخليج وشعوبها شعور من عدم الرضا عما يحدث على الأرض اللبنانية، من تمسك لجميع الفرقاء اللبنانيين وتشبث بمواقعهم السابقة من الأزمة. مع أن الجامعة العربية وعبر ممثلها في لبنان، وأمينها العام، قد طرحت عدة مبادرات مهمة، كفيلة بإيجاد مخرج لعدم التوافق الحاصل على المناصب الوزارية، إلا أن تدخل القوى الإقليمية، وتباين المواقف حول المحكمة الدولية، يدفع كل طرف لبناني إلى أن يكون محامياً ومدافعاً عن مصالح الدول الأخرى في لبنان، بدلاً من أن يكون محامياً ومدافعاً عن مصالح مواطنيه، الذين يعتمدون على السياحة واستضافة الزوار الذين يفدون إلى العاصمة اللبنانية، لكن أعدادهم في تناقص يومي، نتيجة لعدم الاستقرار السياسي الذي تعيشه البلاد. ولاشك أن الدول الخليجية التي تبذل الأموال والمساعدات وتستخدم مكاتبها وعواصمها كوسيط نزيه بين الأطراف المختلفة، سواء في لبنان أو في فلسطين، تسعى جاهدة إلى إحلال الأمن والاستقرار في هذين البلدين، وتحقيق المصالح الوطنية العليا. ولكن مع ذلك لا يمكن أن تكون الدول الخليجية بديلاً عن الأطراف السياسية اللبنانية، أو الفلسطينية نفسها في الوصول إلى حلول سياسية وسطى، ترضي أجزاء واسعة من المجتمعات والتيارات السياسية في هذه البلدان. ويبقى أن يفهم السياسيون في بلدان المشرق العربي، أن السياسة هي فن الممكن، وهي فن الحلول الوسطى، ولا يمكن إيجاد عصى سحرية تنهي جميع الصراعات والنزاعات الإقليمية بشكل سريع وجذري. بقي أن دول الخليج العربية تحاول بناء بلدانها من الداخل، والاهتمام بتنويع قاعدتها الاقتصادية، والعمل على توفير الوظائف لأبنائها وهي في الوقت نفسه الذي تنغمس في أوضاعها الذاتية فإنها لا تعزل نفسها عما يحدث في محيطها العربي المباشر. ولا تنأى بنفسها عن إخماد النيران التي تهدد جيرانها. فهذه الدول الصغيرة في الخليج تحمل جاروف من أجل البناء، وتحمل غصن زيتون من أجل تعميم الأمن والاستقرار والعدالة في هذه المنطقة المضطربة من العالم.