أين أصبحت مقررات القمة العربية؟ هل تعثـّر تنفيذها؟ أم أنها اتُخذت في الأساس مع المعرفة بأنها كسابقاتها هي مقررات براءة ذمة؟ من فلسطين إلى لبنان، ومن العراق إلى الصومال والسودان، ماذا تغيّر بعد القمة؟ لقد ترافق انعقاد قمة الرياض مع تفاعل العوامل المهمة الآتية: العامل الأول عربي داخلي. وهو نشوب حروب أهلية في أربع من الدول العربية هي العراق والسودان وفلسطين والصومال. والتخوف من انجرار لبنان نفسه أيضاً إلى هذه المأساة. ومع العجز العربي عن معالجة أي من هذه الفتن الداخلية يصبح الأمن القومي العربي في مهب الريح! العامل الثاني إقليمي، ويتمثل في الملف الإيراني النووي وفي التداعيات السياسية المرتبطة به. ولاشك في أن هذه التداعيات قد تزداد حدة وخطورة عندما تصبح الدول العربية مضطرة للعمل بموجب قرارات مجلس الأمن الدولي وآخرها القرار 1747 الذي ينص على فرض عقوبات على إيران. العامل الثالث دولي، وهو ذو وجهين. الوجه الأول منه هو الفشل الذريع الذي مُنيت به الولايات المتحدة في الشرق الأوسط من خلال الكارثة الإنسانية والإسلامية والقومية والوطنية التي تسبّبت بوقوعها في العراق. إن الاحتلال الأميركي (وتبعاً لذلك المشاركة البريطانية الملحقة بهذا الاحتلال) أساء إلى سمعة الولايات المتحدة وسحب منها البقية الباقية من الصدقية (إذا كانت هناك في الأساس صدقية في التعامل معها). أما الوجه الثاني لهذا العامل فهو تحفّز الاتحاد الروسي للعودة إلى المنطقة التي كان يشكل لاعباً أساسياً فيها طوال العهد السوفييتي السابق. ولعل في الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس بوتين إلى المملكة العربية السعودية، وفي تصويت روسيا في مجلس الأمن الدولي إلى جانب قرار فرض عقوبات على إيران، ما يشير إلى طبيعة هذا الدور المتحفز. ومن الواضح أن الولايات المتحدة تحاول الآن أن تستعيد بعض الثقة العربية من خلال التعامل بإيجابية (قد تكون مُصطنعة وغير جدية) مع المبادرة العربية للتسوية السياسية في الشرق الأوسط التي أقرّتها القمة العربية في بيروت. ومما يؤكد على ذلك الموقف الإسرائيلي الجديد من هذه المبادرة، الذي انتقل من رفضها من حيث المبدأ، ومن تجاهلها كلياً طوال الأعوام الخمسة الماضية، إلى التحدث عن العوامل الايجابية والبنّاءة التي تتضمنها! لقد اكتشفت الولايات المتحدة أن المدخل العملي لتحقيق الانتصار أو على الأقل التقدم في الحرب على الإرهاب يتمثل في حل القضية الفلسطينية. ولعلها اكتشفت أيضاً -ولو متأخرة جداً- أن للعالم العربي وللعالم الإسلامي مصلحة أساسية في تحقيق هذا الانتصار، لما ألحقته الأعمال الإرهابية من أذى بصورة الإسلام، ومن ضرر بحقوق وبمصالح العرب والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. ولكن الأسلوب الذي اعتمدته إدارة الرئيس بوش في شنّ حربها على الإرهاب لم يؤدِّ إلا إلى زيادة الأمر سوءاً، خاصة بعد احتلال أفغانستان والعراق. وقد حالَ هذا الأمر دون قيام الدول العربية والإسلامية بدورها الأساسي والفعال في كبح جماح الإرهاب وأهله. بل إن هذا الأسلوب المدمر نقل ظاهرة الإرهاب إلى الدول العربية والإسلامية من إندونيسيا حتى المغرب مروراً بباكستان ومصر والسعودية وتركيا والجزائر. ومن هنا فإن التحديات التي واجهتها القمة العربية، وتواجهها الأمة العربية بعد القمة، ليست تحديات عادية هذه المرة. ولكنها تتعلق بصميم المستقبل العربي حضوراً ودوراً. تكفي المقارنة الخاطفة بين القرار العربي بإقامة سوق عربية مشتركة، والقرار الأوروبي بإقامة اتحاد للفحم والصلب قبل خمسين عاماً لإدراك معنى الالتزام بالمواثيق والتعهدات ومعنى عدم احترام القرارات والمواثيق. فأوروبا أصبحت موحدة ليس اقتصادياً فقط، وإنما سياسياً وعسكرياً إلى حد بعيد. أما العالم العربي فلا يزال حتى اليوم يتحدث عن السوق المشتركة وكأنها هدف بعيد المنال! لقد سقط عملياً ميثاق الدفاع المشترك. وسقطت مشاريع الوحدة والاتحاد. وسقطت شعارات الصمود والتصدي. ولم يبقَ شعار للدفاع عنه اليوم سوى شعار "البقاء". ونخشى أن يؤدي عدم الالتزام بقرارات القمة العربية، على تواضعها، إلى سقوط هذا الشعار أيضاً، أو على الأقل إلى حملنا على التساؤل عن صورة هذا "البقاء". أولاً: في المغرب العربي: 1- مواجهات مسلحة بين الجيش التونسي ومجموعة من الإسلاميين تسفر عن سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى. 2- ظهور العناصر الإسلامية الانتحارية في الدار البيضاء من جديد ووقوع صدامات مسلحة دامية في شوارع العاصمة الاقتصادية للمغرب. 3 -تعرّض مبانٍ حكومية في العاصمة الجزائرية إلى عمليات تفجير بعد سنوات طويلة من الصدام الدامي ومن المصالحة المتعثرة بين الدولة والجماعات المتطرفة، يسقط فيها قتلى وجرحى بالمئات. 4 - إدانة عناصر مغاربية بارتكاب سلسلة الأعمال الإرهابية التي وقعت في إسبانيا والتي كان أسوأها على الإطلاق حوادث تفجير قطارات مدريد. ثانياً: في شرق أفريقيا: 5- استمرار الحرب الأهلية في الصومال حتى بعد اجتياح القوات الإثيوبية لهذه الدولة المنكوبة، بل ونتيجة لهذا الاجتياح أيضاً. 6- انفجار حرب الحدود بين السودان وتشاد مع استمرار أزمة دارفور، ومع تعثر تطبيق اتفاق أبوجا مع الجنوب. 7- استنفار عسكري على طول الحدود بين أريتريا وإثيوبيا، الأمر الذي ينذر بوقوع حرب جديدة بين الدولتين الأشد فقراً واللتين تعانيان من الجفاف والمجاعة. ثالثاً: في قلب العالم العربي: 8- تحوّل الحرب الأميركية على العراق إلى حرب عراقية على العراق. ومع استمرار الاحتلال تتصاعد وتيرة المجازر المذهبية والعنصرية حتى تجاوز عدد الضحايا العراقيين في السنوات الثلاث الماضية السبعمائة ألف قتيل! 9- دفع لبنان إلى مشارف الانهيار والتمزق لأسباب لا تمتّّ إلى مصلحة لبنان بصلة. 10- تبدد الآمال المعقودة على المبادرة العربية التي جددت القمة العربية في الرياض التمسك بها، وذلك بعد أن رفضت إسرائيل التجاوب معها. في ضوء هذه الصورة المأساوية للواقع العربي، لابد من التساؤل: هل إن كل هذه الاضطرابات عفوية؟ أم أن هناك محركاً ما "مايسترو" يتولى إدارتها؟ ولمصلحة مَن؟ ولأي هدف؟ وهل إن العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه أصبح من السذاجة بحيث لا يستطيع أن ينظر إلى هذه الاضطرابات نظرة كلية وشمولية ليدرك أبعادها المدمرة والخطيرة؟ وهل يعقل في عالم تتشابك فيه المصالح وتتداخل فيه السياسات الأمنية أن يتعامل العرب مع كل واحد من هذه الاضطرابات وكأنه شأن خاص بالدولة التي تكون مسرحاً له؟ ألم يحن الوقت لتدرك الدول العربية أن كل هذه المآسي على خطورتها ليست هي المشكلة، وأنها مجرد مظاهر خارجية للمرض المستفحل في جسد الأمة، وأن القضية الأساس هي في لاديمقراطية الأنظمة السياسية، وفي انتهاك الحقوق الفردية والحريات العامة، وفي فشل مناهج التربية والتعليم. وفي انعدام التنمية البشرية وفي انحسار التضامن والتعاون بين الدول العربية، وفي سوء توزيع الثروة -بل الثروات العربية. وهل كان من الحكمة أن يترك العراق حتى تنفجر فيه الفتنة المذهبية؟ بل هل كان من الحكمة أن يترك شعبه كالنعجة في مسلخ النظام السابق؟ وهل من الحكمة أن يترك السودان مستفرداً في دارفور.. وأن يترك الصومال مرتعاً للقوات الإثيوبية؟ وأي حكمة في أن يعاد تحويل لبنان إلى مسرح لتصفية حسابات الخلافات والصراعات الإقليمية؟ ثم من قال إن الإرهابيين يقفون صفوفاً منتظمة أمام مخافر الحدود بين المغرب والجزائر. أو بين الجزائر وتونس؟ لقد وصل العالم العربي إلى مرحلة متقدمة من التآكل والتمزق. والله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم! والخطوة العملية الأولى نحو هذا التغيير تبدأ باحترام المعاهدات والمواثيق العربية.. وبذلك تكون قمة الرياض بداية لمرحلة جديدة، وليست استمراراً لما سبقها من قمم تحوّلت قراراتها إلى مجرد حبر على ورق.