إذا اختلفت الآراء حول الرجال فهم عظماء، أما إذا ما اتحدت فإن موجات التملق هي العالية والتقرب إليهم زلفى هو السائد، فلا يكون هنا بعد ذلك مجال للتحدث عن العظمة إلا عبر النفخ في القرب المقطوعة. تناول بعض النقاد من العرب الحديث عن حياة بلير السياسية والتي دامت عشر سنوات ملأى بالأحداث الجسام، كما تناولوا حياة صدام الطاغية، فقلة منهم اتصفت بالإنصاف، فبلير لم يكن يوماً ما دكتاتوراً يمشي على الأرض البريطانية والشعب يصفق له، ولم يكن رأيه هو السائد في الأوساط السياسية بالدولة التي لم تكن تغيب عنها الشمس يوماً ما إلا أنها بعد غيابها لازالت تملك الحنكة والتروِّي والتحفظ في كثير من شؤونها الداخلية والخارجية على المستوى الأوروبي والعالمي. لقد اختلف المحللون السياسيون والمراقبون منا ومن حولنا حول السبب المباشر لانتهاء الحياة السياسية لبلير. بين مسبب لقرار دخوله الحرب كتابع لبوش وآخر رافعاً شماعة حرب الجنوب اللبنانية في الصيف الماضي، وكلا الأمرين من وجهة نظرنا غير دقيق وإن كان من جملة الأسباب، إلا أن السبب الرئيسي يكمن في النظام الديمقراطي ذاته الذي سمح لبلير بالحكم، وهو الذي مارس شروطه في الخروج منه بسلام على عكس ما يحدث في العالم النامي، فالقادة هناك إذا تمسكوا بتلابيب الحكم فإنهم يغلقون على أنفسهم باب الخروج إلى الأبد، أما الشعوب فهي التي تقاد إلى مصيرها المجهول بلا إرادة ولا مطالبة بحق الأمنية الأخيرة قبل الاستسلام لقضاء الحكام وأقدار القوانين التي تديرها بعض المحاكم العسكرية في سواد الليل وتنفذ أحكامها الجائرة في وضح النهار لتكون عبرة لمن لم يتعلم بعد الاعتبار. وآخرون من أشكالهم أخرجوا من الحكم عنوة وهم بانتظار ملك الموت ولا حول لهم ولا قوة لفعل الإيجاب بعد أن تلاحقهم اللعنات الخفية أكثر من الظاهرة خوفاً من الانتقام المضاد. فالديمقراطية هي التي أصدرت حكماً على بلير (بالاعتزال) الطوعي في نهاية الشهر القادم وهو ما لا توجد له صورة يمكن المقارنة بها في العالم العربي والإسلامي. لذا فإن التحليلات التي تروجها بعض وسائل الإعلام لا تتناسب مع واقع الديمقراطية في الغرب، لأن الديمقراطية هناك عبارة عن مزيج من مطالب القاعدة من القمة، أي الديمقراطية في اتجاهين غير متصادمين بل متوازيين في تحقيق الأهداف التي من خلالها صعد بلير إلى سدة الحكم ونزل عنه لكي يتم تداول السلطة وفق النظام السائد في الغرب. سيبدأ بلير حياته السياسية الآن وبعد تنحيه عن السلطة مثله مثل القادة الغربيين الآخرين الذين لازالوا يضيفون الجديد إلى مجتمعاتهم وهم أكثر حرية من سابق عهدهم حيث قيود السلطة كانت تحد أحياناً من تحركاتهم المجتمعية، فكارتر أميركا لم ينتهِ بانتهاء فترة حكمه وكلينتون لازال يجوب العالم الإنساني برعاية المشاريع التي تضع البلسم على جراح المرضى والمحتاجين، فالأمثلة أكثر من أن تعد بأن حياة الساسة الغربيين بعد خروجهم من السلطة مفعمة أكثر بالحيوية والنشاط والعطاء المتواصل. يكفي لبلير مكانة لائقة لمجتمعه أنه عندما أبدى استعداده لتقبل عقوبة الرب له إذا كان مخطئاً في قرار الحرب وهي في الحقيقة قرار الحكومة وليس قرار بلير وحده، ولو لم يفعل شيئاً ما لأمته طوال عقد من عمر حكمه فيكفيه سياسياً أنه ساهم في وقف النزيف الدموي بإيرلندا التي دام فيها النزف لأكثر من أربعة عقود، ولم يسمع خلالها إلا صوت الرصاص والقنابل والصواريخ التي طالت مركز الحكم في لندن.