في"القرية العالمية" نحن في أشد الحاجة لـ"قراءة عقول الشعوب" الأخرى، خاصة في الأمور التي تهمنا، ولتحقيق هذا الهدف نعتمد غالباً على استطلاعات الرأي العام. ولكنني أرى أن الانتخابات -بمناظراتها العلنية ثم نتائجها- هي وسيلة أخرى مهمة لكشف اللثام عن آمال هذه الشعوب وآلامها وعن سياسات الحكام الذين تم اختيارهم. خاصة أن عالمنا هو عالم الانتخابات، احتراماً لمبدأ حق المواطن في اختيار ممثليه. قد يشوب تطبيق هذا المبدأ الانتخابي بعض القصور الإداري أو السياسي، لكن المبدأ نفسه أصبح راسخاً حتى في بقية البلدان التي كانت تعترض عليه إلى وقت قريب، بل إن النظريات الحديثة عن التحول الديمقراطي، تثبت أن المبدأ الانتخابي استقر فعلاً كوسيلة طبيعية للتعبير عن رغبة المواطن. عام 2007 هو أيضاً عام الانتخابات، أعني أن انتخاباته تشكّل علامة على الطريق؛ من الانتخابات الموريتانية التي تم حسمها الشهر الماضي لتضع هذا البلد الصغير والفقير على الخريطة الأفريقية والعربية وحتى الأوروبية... لأسباب عديدة لا داعي لتكرارها الآن، إلى الانتخابات الفرنسية التي تم حسمها قبل أسبوعين، إلى الانتخابات التركية التي خرجت من المجلس التشريعي إلى الشارع ومن ورائه العسكر، ثم الانتخابات البريطانية التي رافقها تنحي توني بلير بعد حكم دام عشرة أعوام اعتبر خلالها من أنشط رؤساء الوزراء البريطانيين بعد الليدي تاتشر، رغم أنهما ينتميان لحزبين سياسيين مختلفين. ثم هناك بالطبع الانتخابات الأميركية التي اشتد وطيسها مبكراً، في الواقع منذ العام الماضي. ولنركز الضوء هنا على الحدثين الانتخابيين؛ الفرنسي والتركي، أساساً لأنهما قريبان منا في المكان والزمان، وبالتالي تؤثر نتائجهما على منطقتنا مباشرة. الاهتمام بتركيا يبرره تاريخ الإمبراطورية العثمانية في منطقتنا، وكونها بلداً مسلماً، كما أنها لاعب أساسي ومباشر على مسرح الشرق الأوسط؛ من حدودها المشتركة مع العراق إلى علاقاتها الوثيقة مع إسرائيل. أما بالنسبة لفرنسا، فإن انتصار ساركوزي هو ميلاد حقبة جديدة في السياسة الفرنسية، خارجياً وداخلياً، وهو ما سيؤثر بشكل مباشر على منطقتنا؛ فرحيل شيراك -ليس الفرد فقط ولكن الفكر والمنظومة- يمثل خاتمة التوجه الاستقلالي لفرنسا عن الولايات المتحدة، والذي كان يرمز إليه الجنرال شارل ديجول الذي أصر على إنتاج سلاح نووي فرنسي مستقل، وسيطر على الحياة السياسية الفرنسية حتى نهاية الستينيات. على العكس من ذلك، يميل ساركوزي نحو التنسيق الفرنسي الأميركي. أما داخلياً فإن سياساته اليمينية ستؤثر على خمسة ملايين مسلم يعيشون في فرنسا، وما النواح الجاري حالياً في دول المغرب العربي إلا تعبير عن هذا القلق. قد يحاول ساركوزي "تزويق" سياساته داخلياً أو خارجياً كي لا يصدم قطاعات عريضة من الفرنسيين الذين اختاروا الاشتراكية سيجولين روايال، ولكي يضمن قدراً من السلم الاجتماعي بين فئات الشعب، لكن التوجه العام لليمين الأوروبي الجديد يجب أن يكون معروفاً وواضحاً لنا. وهكذا نرى أن الانتخابات الفرنسية تثير سؤالاً كبيراً في شطرنج السياسة العالمية، وبالتالي فهي ليست بالمرة بعيدة عنا. أما بالنسبة للانتخابات التركية، فهناك اتفاق فعلاً على أهميتها بالنسبة لنا، لكن ما يجب الانتباه إليه ليس فقط الأهمية الجيواستراتيجية لتركيا، وإنما السؤال المحوري الذي عاد ليحتل المقدمة في هذه الانتخابات؛ ألا وهو العلاقة بين الدين والسياسة في دولة تصر على أن تكون نموذجاً إسلامياً للعلمانية منذ تأسيس تركيا الحديثة بزعامة كمال أتاتورك! موضوع العلاقة بين الإسلام والحكم ذو أهمية مباشرة في الحياة اليومية لكل بلادنا العربية، خاصة أن دوائر غربية كثيرة اقترحت أن تكون "نموذج" المستقبل في الدعوة المحمومة إلى "الإصلاح العربي". ولأهمية هذا الموضوع -حاضراً ومستقبلاً- فإن لنا عودة لتفصيله، لكن من المهم حالياً أن "نقرأ العقل الخارجي" جيداً حتى لا نفاجأ بتداعياته على أحوالنا، وحتى نعد العدة.