أخيراً، قدم وزير الداخلية الفلسطيني استقالته النهائية بعد أن كان قد ربطها بتضارب الصلاحيات بينه وبين بعض قادة الأجهزة الأمنية، وبانعدام الإمكانات المالية واللوجستية لتنفيذ الخطة الأمنية التي وافق عليها الرئيس الفلسطيني. وكان الوزير قد اقتنع بأن واقع الحال القائم عبء ثقيل لا يستطيع التقدم فيه خطوة إلى لإمام ما لم تتوقف حركتا "فتح" و"حماس" عن سياسة الاستقطاب والاحتراب بأساليب مختلفة، بعضها معلن وبعضها تحت الطاولة، حيث بدا أن كلاً من الحركتين تستعد لاقتتال قادم (وقد حصل) نتيجة عدم الثقة المتبادلة بين الطرفين، ناهيك عن الأطراف الأخرى؛ "فصائل" أو "عوائل"! فحالة التمزق والجهل والجشع... سادت أوساطاً معينة، لكن مؤثرة، في قطاع غزة. ولم تنفع مع هؤلاء ومع ظاهرة الانفلات الأمني مناشدات متكاثرة بدءاً من السلطة وأجهزتها الأمنية المتعددة، مروراً بالفصائل ومؤسسات المجتمع المدني، وانتهاءً بصراخ أفراد الشعب وإعلامييه ومثقفيه. وفي هذا السياق، معروف أن ظاهرة الفلتان الأمني تزامن ظهورها مع نهاية الانتفاضة الأولى الفلسطينية، وتكرست في ظل السلطة عبر تنوع الأجهزة الأمنية وتناحرها في ظل انتفاضة الأقصى. ويمكن إرجاع أسباب "الفلتان" والفوضى المصاحبة له إلى أسباب متنوعة ومتشعبة ومتداخلة تحكم الوضع الفلسطيني، خاصة في "القطاع" الذي بات يحتل المرتبة الثانية بعد العراق في نسب الفلتان الأمني، وأضحى سكانه يعيشون حالة رعب شاركت فيها جهات عدة (فصائل، عوائل، أمراء حرب، ومرتزقة)، أفرزت في المحصلة مظاهر وممارسات سيؤدي استمرارها -لا قدر الله- إلى طريق الهلاك للشعب والقضية! ولتسليط الضوء على هذه الظاهرة المفزعة، وتحديد الجهات المسؤولة عن حالة الفلتان، ظهرت أسئلة لعل أهمها: من الذي لا يطبق القانون؟ ومن يعمل على تجاوزه؟ ومن الذي يثير الفوضى؟ وفي معرض الإجابة عن هذه الأسئلة، وضعت "الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطن" دراسة أعلنتها في (16 إبريل 2007) أكدت فيها أن "الإجراءات التي قامت بها سلطات الاحتلال الإسرائيلي أثناء الانتفاضة الحالية (من تدمير مقرات السلطة الفلسطينية، ومراكز الإصلاح والتأهيل التابعة لها، والاجتياحات المتكررة للأراضي الفلسطينية، ومنع عناصر الشرطة الفلسطينية من أداء مهماتها بسلاحها وزيها الرسمي، واعتقال العديد من عناصر الأجهزة الأمنية، وإبعاد عدد كبير منهم من الضفة إلى القطاع...) ساهمت في وضع العراقيل أمام قيام تلك الأجهزة الأمنية بدورها في نطاق حفظ الأمن والنظام، وعدم تمكن سلطة الضبط القضائي (الشرطة) من القيام بدورها المنوط بها في تعقب الجناة، والقبض عليهم". وقد خلصت "الهيئة" إلى تحميل سلطات الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية القانونية والفعلية بشكل أساسي عن حالة الانفلات الأمني وغياب سيادة القانون في مناطق السلطة، "كونها قوة احتلال يقع على عاتقها حفظ الأمن والنظام في الأراضي المحتلة، التي تنطبق عليها أحكام اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1994 بشأن حماية المدنيين وقت الحرب". غير أن تقرير "الهيئة" لا يغفل مسؤولية السلطة عن تفشي تلك الفضيحة. ذلك أنه من الثابت أن الأسباب الرئيسية ذات طبيعة سياسية واجتماعية داخلية، فاقمها الاختلاف الأيديولوجي بين قطبي الحكم (فتح وحماس) اللذين، وإن كانا قد اتفقا سياسياً في مكة المكرمة وشكلا نظاماً برأسين، فإن هذا الاختلاف يمكن أن ينسف نهائياً، في أي لحظة من لحظات حالة التوتر الشديد (بل قل الاقتتال) التي تسود حالياً بينهما. فطالما استمر امتلاك الرأسين لأجهزتهما الأمنية المتنافرة، فإن ذلك الحال سيغذي حالة الانفلات الأمني. يومها، أكدت الهيئة أن "الأجهزة الأمنية المختلفة تعمل بشكل مستقل، دون تنسيق كافٍ فيما بينها بخصوص ضبط الأوضاع الأمنية، ومنع ارتكاب الجرائم وتعقب مرتكبيها. كما أن بعض هذه الأجهزة يمارس مهام الضبط القضائي، بما يمثل اعتداءً على صلاحيات جهاز الشرطة المخول قانوناً هذه الصفة، إضافة إلى قيامها باعتقال المواطنين بوجه غير مشروع ومخالف للقانون، وتوقيفهم لمدد طويلة في مراكز التوقيف الخاصة بهذه الأجهزة، دون اتباع الإجراءات القانونية السليمة". وما دامت الأوضاع كذلك، فإن المواطن لم يعد مقتنعاً بالقانون، فهو يلحظ أن معظم هذه الاعتداءات وقعت من قبل المكلفين بإنفاذ القانون، أو هي وقعت في ظل عدم قيام هؤلاء بدورهم في حفظ الأمن والنظام في المناطق التي يكلفون فيها. لذلك، كان "طبيعياً" لجوء المواطن إلى عائلته وعشيرته، أي أنه مع استمرار الفلتان الأمني، ساد الفكر العشائري السلبي الجوهر، فزاد الطين بلة، وباتت بعض العشائر القوية، عدداً وعدة، تسيطر على مناطق مختلفة من "القطاع" الذي شهد قتالاً بين العشائر نفسها. بل إن الأمن الداخلي تهدد أكثر من ذي قبل بفعل انتشار الأسلحة غير المرخصة بين المواطنين "المنتظمين" في عوائل وعشائر وحمائل، بل وأمراء حرب ومرتزقة. وفي هذا النطاق، لم يستطع "الرأسان" -السلطة والحكومة- إيجاد حل ناجع لهذا الواقع وهو ما يؤشر إلى حال خطير ينذر بما لا تحمد عقباه، بعد أن تجرأت الفصائل والعوائل وحولت الأحياء التي تعتبر معاقل لها إلى مربعات "أمنية" كبيرة، بل هي قامت بإغلاق جميع الطرق والشوارع التي تؤدي إلى مناطق سكناها بالمتاريس، ونشرت المسلحين من أفراد العائلة على مدار الساعة بغرض الحراسة. ونحن -حقاً- نتعاطف مع أي وزير للداخلية في مثل هذه الأوضاع! فما من وزير داخلية بقادر على هزيمة هذه الفضيحة في القطاع، وانتشاله من بؤسه الجديد المتمثل في الفوضى والفلتان ومافيا تجار السلاح والقتل بدون أن يدرك "صانعو القرار" واجبهم في حماية المجتمع والسعي نحو تحقيق سيادة القانون، ومحاسبة كل مقصِّر ناهيك عن السارق والقاتل! والمطلوب من رأسي الحكم (فتح وحماس) أن يفرقا بين التعاطي مع المواقف السياسية والتعاطي مع الحياة المدنية اليومية، وأن يوقنا أنه لابد من تعزيز الإدراك لدى المواطن الفلسطيني بأنه جزء من مؤسسات السلطة، وأن الفلسطينيين جميعاً شركاء في المجتمع وفي واجب تحمل المسؤولية. أما ما هو أكثر أهمية وحيوية من ذلك كله فهو إعادة البناء الثقافي على قاعدة إدراك أن الانفلات الأمني (الفصائلي والعشائري وتعزيز دور أمراء الحرب) إنما هو ظاهرة ناجمة عن غياب ثقافة "المواطنة" لصالح "ثقافة" الفصائلية و"ثقافة" العشائرية! فالانفلات الأمني هو نتيجة وليس سبباً. إنه نتاج الانفلات السياسي، علاوة على الانفلات الثقافي والاجتماعي الذي يكرس "ثقافة" الفصيل والفرد والعائلة والعشيرة.. الخ، على حساب ثقافة المواطن! وهذا هو جذر الأوضاع المزرية التي وصل إليها الحال في فلسطين، وإلى ما هو أفدح في العراق والصومال، وما قد يحدث في أقطار عربية (عالمثالثية أخرى) ما لم تتحقق سيادة المواطنة على غيرها من سيادات متخلفة!