أصبحت المنطقة العربية، في أجندة السياسات الدولية، موضوعاً لعملية تأهيل منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، أي مع انتهاء حقبة عالم القطبين وهيمنة الولايات المتحدة الأميركية على النظام العالمي الجديد. ثم احتلت عملية تغيير العالم العربي صدارة أولويات واشنطن بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، حيث برزت عوامل جديدة عززت تكثيف التدخلات الخارجية في شؤون المنطقة؛ بدءاً من الحرب على الإرهاب، وصولاً إلى دعوات الإصلاح أو تغيير المنظومة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للبلدان العربية، كي تتواءم مع النظام الدولي الجديد. وفي هذا الإطار جاء مشروع "الشرق الأوسط الكبير"، كنموذج لتداخل التحديات الداخلية والخارجية التي يواجهها النظام العربي. وفي كتاب "مشروع الشرق الأوسط الكبير؛ دلالاته وإشكالاته"، لمؤلفه ماجد كيالي، يطالع القارئ تعريفاً بذلك المشروع ومتطلباته، وما يحمله من مضامين وتحديات، والرد العربي إزاءه. فقد طرح الرئيس الأميركي جوج بوش مشروع إقامة "الشرق الأوسط الكبير" في فبراير 2004، وذلك للتعامل مع مشكلات المنطقة. ويشمل المشروع مجمل البلدان العربية، إضافة إلى إيران وتركيا وأفغانستان وإسرائيل، وهو يتضمن شراكة دولية لفرض تغييرات سياسية واقتصادية وثقافية في المنطقة، بما ينسجم مع مصالح الدول الغربية ومنظوراتها السياسية والثقافية. وفي نص ديباجة المشروع الذي قدمه بوش إلى قمة مجموعة الثماني، تعتبر واشنطن أن المجتمعات العربية تعاني من ثلاث نواقص، في الحرية وفي المعرفة وفي تمكين المرأة، مما يخلق ظروفاً تهدد مصالح الدول الكبرى. وعلى ضوء ذلك، يطالب المشروع بإقامة شراكة دولية طويلة المدى لإصلاح "الشرق الأوسط الكبير"، عبر تشجيع الديمقراطية والحكم الصالح وبناء مجتمع معرفي وتوسيع الفرص الاقتصادية. بيد أن ذلك المشروع أي فكرة إيجاد "نظام إقليمي" يضم الدول العربية إلى جانب إسرائيل ودول أخرى، كان قد انطلق في مطلع تسعينيات القرن الماضي، كمشروع أميركي في ظل إدارة الرئيس جورج بوش (الأب)، لكنه تراجع في أواخر الولاية الثانية للرئيس بيل كلينتون، لأسباب أهمها انهيار عملية التسوية، وخصوصاً في بعدها الفلسطيني- الإسرائيلي. ثم عادت الولايات المتحدة، في عهد الرئيس بوش (الابن)، إلى طرح المشروع "الشرق أوسطي" تحت مسمى "الشرق الأوسط الكبير" هذه المرة، بدعوى إعادة هيكلة المنطقة العربية ومحاربة الإرهاب ونشر الديمقراطية والليبرالية فيها. وبمقارنة المشروعين، يلاحظ الكتاب أن مشروع "الشرق الأوسط الكبير" الذي طرحته الإدارة الحالية، يتميز بعدة نواحٍ، منها أن الولايات المتحدة في عهد الرئيس بوش الابن باتت أكثر حزماً وتدخلاً وتطلباً في التعاطي مع شؤون المنطقة العربية. كما أن مطالب إدارة بوش من الحكومات العربية لم تعد تقتصر على الجوانب الأمنية والاقتصادية والسياسية، بل تشمل أيضاً إدخال تغييرات في مجالات الثقافة والتعليم وطبيعة النظام السياسي ذاته. ومن ناحية ثالثة فإن إدارة بوش لم تعد تربط بين متطلبات الإصلاح والتغيير وبين استمرار عملية التسوية مع إسرائيل، انطلاقاً من اقتناعها بأن الاحتلال ليس وحده مصدر التوتر والاضطراب في المنطقة، وإنما المسؤول عن ذلك هو النظام العربي ذاته والذي يجب العمل على تغييره وإصلاحه. وبهذا المعنى، كما يذهب المؤلف، فإن هناك محاولة أميركية للتدخل مجدداً لفرض "الشرق أوسطية"، مدعومة هذه المرة بزخم الوجود الأميركي المباشر في المنطقة، وبالسعي لإحداث تغييرات سياسية في مبنى النظام السياسي العربي. فهل يتعلق الأمر إذن بتغير نوعي في السياسة الأميركية؟ وما هي دوافعه؟ هنا يؤكد المؤلف على ذلك التحول، شارحاً أبعاده وأولها أن الإدارة الأميركية أصبحت تحاول فرض نوع من الوصاية الدولية على العالم العربي، بدعوى نشر الإصلاح والديمقراطية والازدهار في المنطقة. وثانيها أن إدارة بوش أصبحت تنطلق من اقتناع مفاده أن عدم الاستقرار في المنطقة العربية لا ينبع من وجود إسرائيل واحتلالها الأرض العربية، وإنما من طبيعة الأنظمة العربية ذاتها، ومن علاقة هذه الأنظمة بشعوبها وبدول الجوار. أما البعد الثالث فيتمثل في إصرار الولايات المتحدة على أن ما قامت به في العراق يعد نموذجاً لما يجب تعميمه في المنطقة العربية! ويتطرق المؤلف أيضاً إلى معوقات المشروع الشرق أوسطي الجديد، فكما لم يكتب النجاح لسلفه الذي طرحته واشنطن من قبل، وذلك بسبب التحديات والممانعات التي حالت دونه، فإن الأمر ينطبق كذلك على المشروع الأميركي الحالي والذي يواجه بدوره معوقات كبيرة ومعقدة؛ تلخصها عناصر الخلل الأساسية في سياسة الولايات المتحدة إزاء العالم العربي، أي العناصر التي سبق أن أفشلت مشروع "الشرق الأوسط الجديد" (السابق)، وستؤدي أيضاً إلى إخفاق المشروع الحالي؛ وأهمها تعمد السياسة الأميركية تجاهل العوامل الأساسية للصراع العربي- الإسرائيلي (لاسيما احتلال إسرائيل للأراضي العربية)، ورفضها التسليم بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، ومواصلة انحيازها لإسرائيل، ومحاولتها طمس الهوية العربية للمنطقة بهدف تعويم الوجود الإسرائيلي، علاوة على الممانعة الكبيرة من قبل الحكومات والشعوب العربية إزاء المشروع الأميركي باعتباره تدخلاً في شؤون المنطقة ومحاولة لفرض الوصاية الخارجية. ومهما يكن فإن المنطقة العربية تقف الآن على عتبة حقبة جديدة من الوصاية الدولية، وتواجه حزمة استحقاقات وتحديات خطيرة. ورغم ذلك فالمؤلف يرى أن الكرة لازالت في يد النظام الرسمي العربي؛ إذ يمكنه اتخاذ مبادرة بالحد من التدخلات الخارجية؛ وذلك بالانفتاح على الداخل أولاً، وعبر تطبيق إصلاحات عامة وحقيقية ثانياً، وبإطلاق آليات تحقيق التكامل العربي ثالثاً، وعبر إعادة بناء النظام العربي رابعاً... فالعالم العربي بات أمام ساعة الحقيقة، فإما أن يتجاوز ضعفه وجمود أوضاعه، أو أن يدفع ثمن التردد والحيرة والضياع، بدخول حقبة أخرى من الوصاية الأجنبية! محمد ولد المنى الكتاب: مشروع الشرق الأوسط الكبير، دلالاته وإشكالاته المؤلف: ماجد كيالي الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية تاريخ النشر: 2007