"إن الأمر أسوأ مما تتخيل... إنني أومن بذلك كل الإيمان"، هذه العبارة جاءت على لسان "توني بلير" في معرض إشارته للأوضاع في العراق... ورغم رأيه في أوضاع العراق فإن الرجل ساهم فيها مساهمة جعلته هدفاً لاستهجان شعوب المنطقة واستهجان شعبه أيضاً. وفي هذا الكتاب الذي نعرضه هنا وعنوانه: "أيْ... بلير! فترة توني بلير الكارثية في رئاسة الوزارة"، يعلق المؤلف على موقف بلير بالنسبة لتلك الحرب بقوله: "إن الرجل الذي اعتذر عن كل شيء، بدءاً من مشاركة بريطانيا في تجارة الرقيق، إلى مجاعة ايرلندا... يقول إنه لن يعتذر أبداً عن الموقف الذي اتخذه بشأن غزو العراق، ولا عما جلبته سياساته لذلك البلد من مصائب وكوارث... لدرجة أنه لم يعد متبقياً شيء أمامنا كي نقوله له سوى ما قاله كرومويل يوماً: أقول لك اذهب... ودعنا نستريح من سحنتك... بحق الله، اذهب!" ولا أحد ينسى عبارة "أيْ... بلير!" التي وجهها جورج بوش تحيةً لرئيس الوزراء البريطاني عندما التقى به في قمة "سان بطرسبورج"، وهي عبارة تعد، في نظر المؤلف، ترميزاً دالاً على طبيعة العلاقة بين الرجلين، وتكثيفاً للطريقة التي يبدو بها بلير بسياساته الخاضعة في عيني بوش، وقد انطلقت تلك العبارة كالشهاب الخاطف لتضيء الحقيقة الرهيبة التي حاول بلير وحزبه أن يخفياها، وهي أن بريطانيا قد انحطت في عهده وتوقفت عن أن تكون أمة مستقلة. فبلير في نظر المؤلف رجل أضاع استقلال بريطانيا، وجعلها مجرد دولة تدور في الفلك الأميركي، كما جعل من نفسه مجرد تابع لبوش يأتمر بأمره دون مناقشة. ويرى المؤلف أن بلير بعد أن وصل إلى "10 دوانينج ستريت"، قام بتهميش حزبه، وحكم البلاد بشكل شبه منفرد، ولم يأبه كثيراً لآراء زملائه في الحزب ولا وزرائه في أغلب المواقف. وحين ساء وضعه، وتصاعدت الانتقادات ضده، حاول أن يتعلق بأهداب الحزب، لكن أحداً لم يأبه له هذه المرة. لقد كانت المغامرات الخارجية عنوان عصر بلير بأكمله. وهذه المغامرات وعلى رأسها المغامرة العراقية الكارثية، هي التي تناسل عنها الكثير من الكوارث التي لحقت ببريطانيا ومكانتها في العالم، كما أدت إلى تدمير بلير نفسه في نهاية المطاف، وإلقاء ظلال قاتمة على إرثه بعد رحيله عن الحكم. وبعد أن عرض المؤلف لمغامرات بلير الخارجية، يتساءل عن السبب الذي جعل تلك الكوارث تحدث؟ فيقول إنها لم تكن عشوائية، ولكنها أخطاء ترجع إلى شخصية الرجل وإلى الطريقة التي تطورت بها حياته السياسية... وأن أي مدقق لابد أن يتوصل إلى أن تلك الكوارث كانت حتمية طالما أن رجلاً مثل بلير قد صعد إلى سدة الحكم في بريطانيا. ويقول المؤلف في هذا السياق إن من ملامح شخصية بلير البارزة أنه رجل يفترض دوماً أن ما يفعله هو الصواب، وأن كل ما عداه باطل... وحتى عندما يتبين له فيما بعد أن ما فعله كان خطأ، وأن الجميع ينظرون إليه على أنه كذلك... فإنه لا يعترف ولا يعتذر، بل يصر على الخروج منه بحيلة ما كأن يقول مثلاً إنه فعل ما فعل لأنه كان يعتقد في الوقت الذي فعله أنه صواب وأنه لا يعتبر نفسه مسؤولاً عن التطورات والظروف التي حدثت بعد اتخاذه القرار وخلقت أوضاعاً جعلت قراره أو سياساته تبدو وكأنها كانت خطأ، لأنه لم يكن يعرف أن تلك التطورات والظروف ستحدث عندما اتخذ قراره أو أقدم على عمله. ومن سمات شخصية بلير الأخرى -بحسب المؤلف- استغلاله للآخرين في ظرف أو لحظة معينة تستدعى منه الاستعانة بهم لتحقيق مصلحة خاصة به، وعندما يحقق مصلحته، سرعان ما يتخلص منهم دون ذرة من تأنيب الضمير. ويتحدث المؤلف عن انتخاب بلير عام 1997 وعودة "حزب العمال" إلى الحكم مجدداً، وكيف أن صعود بلير قد قوبل بترحيب من الصحافة الأميركية في عهد كلينتون لم يحظ به من صحافة بلاده... ثم يتحدث بعد ذلك عن تطور علاقته بجورج بوش وكيف استغل المتطرفون الأميركيون من "المحافظين الجدد"، بلير كي يكون تابعاً للولايات المتحدة على اعتبار أنهم كانوا يرون أن تعاون بريطانيا معهم -بسبب سابق تجاربها في المنطقة- قد يضفي على مغامرة بوش العسكرية في أفغانستان والعراق قدراً من المصداقية. يكشف المؤلف أيضاً عن الطرائق العديدة التي استخدمها بلير لخداع حزبه، وإقناع أعضائه بأن الانضمام لبوش في مغامرة العراق كان هدفه أن تقوم بريطانيا بوظيفة تشبه وظيفة المكابح على السياسات الأميركية التي تميل إلى المغامرة والجموح، وكيف أن ذلك الخداع والتضليل والأكاذيب قد انطلت على حزبه، ومكنته من المضي قدماً في القضاء على معارضي ذهاب بريطانيا للحرب، كما مكنته من التهرب من المسؤولية حتى الآن. ويحسب للمؤلف أنه لم يقف في كتابه عند حدود المغامرة العراقية، وإنما تجاوزها حتى وصل بنا إلى اللحظة الحالية أو ما قبلها بقليل وهي اللحظة التي أصبح فيها بلير -حسب رأيه- يمثل عالة على حزبه وأصبح الوقت مناسباً له كي يذهب غير مأسوف عليه. سعيد كامل الكتاب: أيْ.. بلير! فترة توني بلير الكارثية في رئاسة الوزارة المؤلف: جفري ويتكروفت الناشر: بوليتيكو بابليشينج ليميتد تاريخ النشر: 2007