بعض الزعماء السياسيين يدخلون مسرح السياسة المحلية أو الدولية ويخرجون منه وسرعان ما تتلاشى ذكراهم ويصبحون في عداد الأموات حتى وهم أحياء, ذلك لأنهم خلال مسيرتهم السياسية عجزوا عن أن يحققوا إنجازاً من تلك الإنجازات التي يبقى أثرها مستمراً في حياة الناس وفي صنع التاريخ البشري. البعض الآخر يبقى اسمه وصورته وسيرته حية ومؤثرة في حياة الناس مهما تقادم الزمن, ويظل الناس يذكرونه بالدعوات أو اللعنات... ومن هذا الصنف الآخر سيبقى توني بلير الزعيم العمالي ورئيس الوزراء البريطاني الذي سيتنحى عن الرئاسة الشهر القادم (27 يونيو). فتوني بلير الذي صعد نجمه بسرعة مثيرة في أواخر القرن العشرين سيظل يذكر بما لا خلاف حوله من أنه سياسي بريطاني تسلم سدة الرئاسة وهو الأصغر سناً بين الذين سبقوه من "العمال" أو "المحافظين" أو "الأحرار" قديماً... وسيذكر له أنه قاد حزب "العمال" البريطاني العتيد إلى ثلاثة نجاحات انتخابية باهرة بعد عقود من الزمن استطاع فيها "المحافظون" أن يحكموا المملكة المتحدة وأن يفتحوا صفحة في التاريخ البريطاني عرفت بالتاتشرية (نسبة إلى السيدة مارغريت تاتشر) بدا فيها حقيقة أن بريطانيا قد انزلقت إلى اليمين المحافظ بصورة سافرة وأن عقوداً من إنجازات دولة الرعاية الاجتماعية التي حققها البريطانيون تنهار أمام ضربات المرأة الحديدية. وسيذكر لبلير أيضاً وخلال فترة حكمه أن بلاده قد أصبحت أكثر ثراءً مما كانت عليه عندما تسلم قيادة حكومتها. وسيذكر له التاريخ كذلك أنه وبجهد لم ينكره عليه حتى خصومه السياسيون قد لعب دوراً أساسياً في التوصل إلى اتفاق السلام وإقامة حكومة الوحدة الوطنية الإيرلندية وسيبقى هذا العمل قمة إنجازاته السياسية على مستوى بلده. بالنسبة لحزبه فقد كان "الطريق الثالث" الذي نظَّر له وكان محور حملته الانتخابية الأولى لتولي قيادة حزب "العمال" البريطاني الجديد، محل خلاف ومصدر انقسام في الحزب الذي تأسس على مبادئ الاشتراكية الفابية، ومع ذلك فقد استطاع حتى عهد قريب أن يحشد حوله أغلبية حزبيه مكنته من الاستمرار على الأقل حتى العام الماضي بسهولة ويسر في رئاسة الحكومة. على مستوى سياساته ومواقفه في المسرح الدولي سيحمد له التاريخ أنه قد قدم الوازع الإنساني على ما سواه في كوسوفو وسيراليون وتيمور الشرقية، وكان القوة الدافعة للمجتمع الدولي وأساساً لإدارة الرئيس الأميركي كلينتون في تلك البلدان التي عانت مآسي الحروب الأهلية والإثنية حتى تصدى لها بلير بصدق وشجاعة يحمدان له إضافة إلى مواقف أخرى له في قضايا أفريقيا ومأساة الفقر والجهل والمرض المستمرة فيها. لكن النجم الذي حظي بشعبية وتأييد كبيرين داخل بلده وخارجه عندما صعد إلى مسرح السياسة عام 1997 يغادره اليوم -وبعد عشر سنوات من الحكم- وقد تدنت شعبيته وبالتالي شعبية حزبه إلى درجة أقلقت حتى حلفاءه ومؤيديه داخل الحزب ودفعتهم لاستعجال رحيله حفاظاً على الحزب والحكم.. وكان السبب الرئيسي والأساسي -ضمن أسباب أخرى- العراق و"لعنة العراق"... فبعض الأخطاء في السياسة قاتلة وقد كان موقف بلير وارتباطه الوثيق وتأييده وحماسه الشديد لسياسة الرئيس بوش وحزبه في العراق هي الضربة القاضية التي وجهها بلير بنفسه إلى شخصه وتاريخه السياسي، والتي حولت صورته اللامعة في نظر مواطنيه وأعضاء حزبه إلى مجرد "تابع" للرئيس الأميركي وألصقت به -بلير- كل الصفات السلبية التي رآها البريطانيون في الرئيس بوش. وعندما يراجع توني بلير اليوم مسيرته السياسية الأخيرة سيكتشف حكمة المثل الشعبي العربي القديم القائل "ان غلطة الشاطر بألف غلطة" فتوني بلير "السياسي الشاطر" أخطأ عندما لم يحسب بدقة موقف الرأي العام البريطاني من حرب العراق، ونزعة المعارضة القوية التي تبدت في بريطانيا من تلك الحرب وضد السياسة الأميركية المغامرة والبليدة، التي سيعجز عن تبريرها مهما وضع يده على قلبه وأقسم على أنه فعل ما يعتقد أنه الحق. ولعنة العراق هذه التي أصبح بلير أول ضحاياها ستبقى تلاحق آخرين طويلاً.