لقد وصلت إلى العراق قبل أن يصل إليه "بول بريمر" في مايو 2003، وبقيت فيه وقتاً طويلاً بعد أن رحل منه خفية وبشكل مُخجل في يونيو 2004، وهو ما أتاح لي رؤية التداعيات الكارثية لسياساته في هذا البلد. لذلك، أقول إنني قد أصبت بخيبة أمل نتيجة لما أبداه "بريمر" من عناد وإصرار على عدم التوبة والذي بدا في أجلى صوره في مقاله المنشور على صفحات "واشنطن بوست" يوم الأحد الماضي. في ذلك المقال يرى الرئيس السابق لسلطة الائتلاف المؤقتة أنه كان "على حق تماماً" عندما قام "بتفكيك جهازين كانا يعتبران أداة من أدوات نظام طغيان بشع"، هما حزب "البعث" والجيش العراقي. كما يشتكي من "المنتقدين الذين لم يخدموا في العراق"، والذين "لا يعرفون شيئاً عن تعقيداته". لقد نسي "بريمر" وهو يقول ذلك أنه لم يفهم العراق أبداً، ولم يكن يعرف اللغة العربية، بل لم يحاول تعلمها، ولم تكن لديه خبرة بالشرق الأوسط، ولم يبذل جهداً لتثقيف نفسه بشأنه -وهو ما يظهر بشكل واضح من أقواله تلك. وفي ثنايا مقاله لا يني "بريمر" يكرر عبارات من مثل "الحكام السابقين من السُّنة"، "المواطنين السُّنة العاديين"، "النظام السُّني"،"السُّنة الذين يتوافر لديهم حس المسؤولية". إن هذا الاهتمام المرَضي بموضوع الطوائف هو الذي ميَّز نهج أميركا في العراق منذ أول يوم للاحتلال، بيد أن العراقيين لم يكونوا يرون أنفسهم على هذا النحو -على الأقل حتى فترة قريبة للغاية. فالعراقيون لم يكونوا ينقسمون إلى سُنة وشيعة وإنما كانوا عراقيين أولاً.. ولم يتم تسييس الموضوع الطائفي إلا بعد أن احتل الأميركيون بلادهم، وبدأوا يتعاملون مع السُّنة على أنهم أشرار ومع الشيعة على أنهم أخيار. قبل الحرب لم تكن هناك كتل شيعية وكتل سُنية كما لم تكن هناك مصطلحات مثل "المثلث السُّني"، أو "الجنوب الشيعي" التي يتم استخدامها حالياً، إلى أن عمل الأميركيين على تقسيم المناطق العراقية على أسس طائفية وعرقية. وعلى رغم التأكيدات التي أوردها "بريمر" في مقاله، فإن نظام صدام حسين لم يكن نظاماً سُنياً، وإنما كان نظاماً ديكتاتورياً يعتمد على شبكة معقدة من الولاءات تمتد في مفاصل المجتمع العراقي بأسره، وبعضها كانت شيعية. وإذا ما كان يجوز لنا وصف النظام العراقي السابق، فإننا نستطيع أن نقول إنه كان نظاماً "تكريتياً" يتولى قيادته أقارب صدام وأبناء عشيرته الذين ينحدرون من قريته الأصلية في مدينة تكريت. لقد عاقب صدام السُّنة الذين أصبحوا بارزين أكثر مما ينبغي. وقمع الضباط العرب السُّنة المنتمين إلى بغداد والموصل، لصالح ضباط أكثر مطاوعة وولاء ينحدرون من خلفيات ريفية وعشائرية. فضلاً عن ذلك فإن الحركات السُّنية المحلية التي لم تكن موالية لصدام تعرضت للقمع بنفس الوحشية التي تم بها قمع الحركات الشيعية التي كانت تتبنى نفس الموقف. لقد نظر الكثيرون من العراقيين إلى الأميركيين على أنهم محتلون جدد، يعقدون النية على غزو العراق وتقسيمه. وكان هذا تحديداً هو النهج الذي تبناه "بريمر". وحتى عندما استجاب "بريمر" جزئياً للمطالبة العراقية بالديمقراطية، وأنشأ ما عرف باسم مجلس الحكم المؤقت، قام باختيار أعضاء هذا المجلس على أساس المحاصصة الطائفية والعرقية، بل إن العضو الشيوعي الوحيد في ذلك المجلس لم يتم انتخابه لأنه شيوعي علماني وإنما لأنه شيعي. كان "بريمر" يرى أن الطريقة التي يمكن بها حكم العراق هي أن يتم النظر إليه ليس كأمة، وإنما كمجموعة من الأقليات. ومن هذا المنطلق، عمل "بريمر" على وضع الأقلية التي كان يرى أنها لم تستفد من النظام السابق في مواجهة الأقلية التي كان يرى أنها قد استفادت من ذلك النظام، ثم توقع من الاثنتين معاً أن تشعرا بالجميل تجاهه. لقد حكم "بريمر" العراق كما لو أن البلد كان يخوض حرباً أهلية بالفعل، وقام بمساعدة الشيعة من خلال معاقبة السُّنة. ولم ينظر الرجل إلى مهمته على أنها حكم لبلد تحت الاحتلال، وإنما نظر إليها على أنها إدارة لحرب أهلية، وهو ما يدفعني لاتهامه بأنه هو الذي تسبب في إشعال نار تلك الحرب في العراق. يدعي "بريمر" أن صدام حسين قد أقام نظامه على غرار النظام النازي لأدولف هتلر. والحقيقة أن المشابهة التي أجراها "بريمر" بين نظام حزب "البعث" والنظام الهتلري النازي، تدل على فراغ جعبته من الحجج، لأن الكتابات والمطبوعات الغزيرة التي تناولت موضوع العراق لم تتضمن أبداً مثل تلك المشابهة. والشيء الغريب أن تلك المشابهة السخيفة قد تخللت المقال بأكمله، كما أنه يحاول الإيحاء بأنها كانت تمثل صورة لما هو سائد في بغداد قبل أن يصل سيادة الحاكم العام الجديد (بول بريمر نفسه) إلى هناك. لقد تخيَّل الرجل أنه يقوم بتفكيك الحزب النازي في ألمانيا (اقرأ العراق) من أجل إنقاذ اليهود (اقرأ الشيعة) من النازيين (اقرأ السُّنة). يقول بريمر أيضاً إن العراقيين كانوا يكرهون جيشهم قبل أن يأتي الغزو الأميركي، بينما الحقيقة التي يعرفها الجميع هي أن الجيش العراقي كان المؤسسة الأكثر وطنية في البلاد، والتي سبق وجودها وجود حزب "البعث" ذاته. وعندما اختار ذلك الجيش عدم مقاتلة الأميركيين، فإنه كان يتوقع منهم أن يعترفوا به لا أن يحلُّوه.. بل إنني أستطيع القول إن ما كان يبدو قبل وصول "بريمر" إلى العراق بوضوح هو أن العديد من الجنود والضباط كانوا يأملون في التعاون مع الأميركيين. لقد أخطأ "بريمر" عندما قال إن الشيعة كانوا يكرهون الجيش العراقي. لقد تعامل الرجل مع العراقيين كما لو كانوا ينقسمون إلى "هوتو" و"توتسي"، وادعى أن المجندين الشيعة كانوا يتعرضون لمعاملة قاسية ومهينة من جانب الضباط السُّنة وهو ما لم يكن حقيقياً. ليس هناك شك في أن نسبة السُّنة بين الضباط كانت تفوق نسبة الشيعة، وأن الشيعة كانوا يحسون أن هناك سقفاً أعلى غير مرئي فيما يتعلق بترقيتهم، ولكن يجب علينا ألا ننسى في هذا السياق أن الكثيرين من الوزراء الذين خدموا تحت إمرة صدام كانوا من الشيعة، وأن الجيش نفسه كان فيه عدد من الجنرالات الشيعة، وأن ثلث الأشخاص الذين طبعت صورهم على مجموعة أوراق اللعب الشهيرة التي كانت تحمل صور المطلوبين للأميركيين كانوا من الشيعة. لقد انتقد البعض "بريمر" حقاً بسبب أخطائه الفردية، مثل حل الجيش العراقي.. ولكن تلك الأخطاء في رأيي لم تكن هي السبب في كراهية معظم العراقيين للاحتلال الأميركي ودعمهم للمقاومة ضده. إن الشعور الرئيسي بالغبن الذي يحمله العراقيون تجاه أميركا يرجع إلى الاحتلال في حد ذاته، ذلك الاحتلال الذي استمر لسنوات بعد رحيل بريمر من العراق. ـــــــــــــــــــــ زميل بمؤسسة "نيو أميركا فونديشين" ومؤلف كتاب: "في حوصلة الطائر الأخضر: انتصار الشهداء في العراق" ـــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"