هل يمكننا الاعتماد على عقلانية وموضوعية أوروبا وعلى حيادها النسبي في صراعنا المتعاظم مع المشروع الأميركي- الصهيوني؟ الجواب هو كلا، وذلك اعتماداً على تاريخ العلاقات الأوروبية معنا ومعطيات الحاضر، ففيهما عبر وأيُّ عبر! لنمعن النظر في أقوال الرئيس الفرنسي الجديد نيكولا ساركوزي الذي تربع على كرسي الرئاسة أمس. منذ فترة قصيرة، إبّان حملته الانتخابية، فقد وقف ساركوزي في مدينة مارسيليا أمام قدماء المستعمرين الفرنسيين للجزائر ليوصيهم بألا يخجلوا من تاريخهم الاستعماري الهمجي في الجزائر، وليؤكد لهم أن أمة فرنسا لن تعتذر لأحد ولن تعيد كتابة تاريخ عارها الذي قتل في الجزائر مليون شخص باسم التمدين والتحضُّر! هكذا أعاد هذا القائد السياسي الاعتبار للقتلة والغزاة، وأكّد مرة أخرى توجهاته السابقة يوم وصف شباب الضواحي الباريسية، من الفقراء والمهمَّشين العرب والأفارقة السود، بأنهم ليسوا أكثر من حثالة. وربما جاء ذلك تتويجاً لشناعات لفظية نطق بها رئيس وزراء إيطاليا السابق، وعمّدها بابا الفاتيكان بقراءته المغلوطة للتاريخ، وعبّرت عنها كتب وصحف ومنابر إعلام وساحات سياسية على امتداد أوربا كلّها تقريباً. وهكذا فان أوروبا الأنوار والتقدم الحضاري وثورات حقوق الإنسان، التي نجحت إلى حدٍ ما في إيجاد قطيعة مع بربريتها تجاه نفسها عبر قرون طويلة... لم تزل غير قادرة على إيجاد قطيعة حقيقية مع تاريخها البربري الظالم معنا. وبالنسبة لنا، ستحتاج أوروبا إلى النزول في بركة التذكر كي تتطهّر بمياه الأسف والاعتذار عن كل ما هو ظالم وبربري في تلك الذاكرة. إنها تحتاج أن تتذكر وتأسف للحروب الصليبية التي شنّتها علينا طيلة قرنين، ولحملات التطهير والاجتثاث الديني ضد مسلمي الأندلس في أواخر القرن الخامس عشر، الذين ألقت بمن سلِم منهم على سواحل أفريقيا، ولغزو استعماري مستبد احتل معظم الأرض العربية في القرنين التاسع عشر والعشرين وأنهك قوى شعوبها وأضاف إلى فقرها وتخلفها، لمؤامرات تمزيق أوصال الوطن العربي (بدءاً من مؤتمر برلين، مروراً بمعاهدة سايس- بيكو، ثم وعد بلفور الذي دشّن للوجود الاستيطاني الصهيوني في فلسطين إلى يومنا هذا، وليس انتهاء بالغزو الأميركي للعراق الذي إما باركته أو شاركت في القيام به دول أوروبية عدة). السؤال هو: هل ستستطيع أوروبا أن تنهي ثنائية تاريخها الطويل التي شخّصها المفكر الفرنسي "إدجار موران" في كتابه "الثقافة والبربرية الأوروبية" بثنائية التطهير الديني والعرقي التي طبعت كل تاريخ أوروبا من جهة ومدنية أوروبا وأنوارها التحررية والإنسانية من جهة أخرى. إن "موران" يناشد أوروبا أن تخرج من صحاري بربريتها إلى واحات مدنيتها وتحضرها، وإن كان لا يجزم بإمكانية ذلك. وبالعودة إلى فرنسا كممثل للروح الأوروبية، نقول إن هناك فرقاً بين أن يصف رئيسها السابق الحرب الأميركية على العراق بالحرب الظالمة ويعارضها باسم فرنسا المتمدنة، وبين أن يأسف رئيسها الجديد لوقوف بلاده "مكابرة" ضدّ الغزو الأميركي للعراق. هناك فرق بين مناداة قوى فرنسية باعتذار بلادها عن أخطائها التاريخية، وبين تصريحات سياسييها المكابرة. إن الكثير من الأوروبيين في فرنسا، ومعها دول أوروبا، ما أن يحاولوا الخروج من الصحراء إلى الواحات، حتى تغلبهم طبائع تاريخهم فيعودوا إلى صحاري البربرية. فهل يمكن الوثوق بدول كهذه كي تساهم في إنقاذ عرب فلسطين وعرب العراق وغيرهم من فكّ التمساح الأميركي- الإسرائيلي؟ إنه حلم بعيد، بعيد جداً.