ذكرت تقارير صحافية أن مؤسسة أميركية قامت بوضع أخطر تقرير للإدارة الأميركية للتعامل مع العالم الإسلامي. وحسب جريدة مصرية فإن مؤسسة أميركية -كانت قد أنشئت عام 1948 ويعمل فيها حالياً أكثر من ألف شخص وتساهم في تمويلها مؤسسات كبرى من بينها وزارة الدفاع الأميركية- قد كلفتها وزارة الدفاع الأميركية بإجراء عدة دراسات عن الصين والشرق الأوسط ومناطق عديدة من العالم. التقرير الجديد استغرق 3 سنوات وهو يقدم للإدارة الأميركية وسائل التعامل مع العالم الإسلامي؛ انطلاقاً من تبديل الآلية العسكرية -التي اتبعتها الولايات المتحدة في مناطق عدة من العالم الإسلامي وأثبتت فشلها- بآلية أخرى هي الثقافة! خصوصاً بعد أن ثبت عدم فعالية قناة "الحُرة" وإذاعة "سوا" الأميركيتين الموجهتين إلى العالم الإسلامي. ومع ازدياد حركة التطرف في مناطق عدة من العالم الإسلامي، وتعرّض المصالح الأميركية للخطر؛ بل وتغلغل التيارات المتطرفة إلى أروقة القرار السياسي في العديد من المناطق؛ وبهوت صوت الإسلاميين المعتدلين، بل وحتى صوت الليبراليين العرب، ووصل الأمر إلى قتل ونفي العديد من الشخصيات المعتدلة أو التي تعترف بحق الآخر في الوجود؛ مع ازدياد النقمة واليأس من السياسات الأميركية في الشرق الأوسط؛ يأتي التقرير الجديد ليرسم ملامح التعامل مع المنطقة الإسلامية من منظور جديد! ويبدو أن التقرير يركز أساساً على اجتثاث شأفة المتطرفين؛ وذلك موضوع شائك تعاني منه الدول أساساً! ويقترح التقرير -لتحقيق ذلك- دعم وتكوين شبكات إسلامية متحررة للإسلاميين المعتدلين وإيصال رسائلهم إلى العالم وحمايتهم من الأنظمة التي قد تضغط عليهم أو تضطهدهم؛ بل يقترح التقرير تمويلهم مالياً أيضاً!؟ ويرى التقرير أن بناء الشبكات الإسلامية المعتدلة يعتمد أساساً على ثلاثة مستويات: 1- مساندة الشبكات الموجودة ودعمها. 2- تحديد الشبكات الممكنة ومساعدتها على الاستمرار والنمو. 3- تهيئة الظروف الملائمة لإنشاء هذه الشبكات. كما يقترح التقرير أن تكون هنالك هيئة في الولايات المتحدة لمتابعة تكوين الشبكات المقترحة ولتنفيذ برامجها في العالم الإسلامي. كما يحدد التقرير الفئات الاجتماعية التي يمكن أن تشكل البنى الأساسية لمثل الشبكات المقترحة؛ وهي: 1- الأكاديميات الإسلامية المثقفة والمتحررة. 2- المثقفون الدينيون الشباب المعتدلون. 3- نشطاء الجمعيات. 4- جماعات المرأة المهتمة بحملات المساواة بين الرجل والمرأة. 5- الكتاب والصحافيون المعتدلون. وللوصول إلى تلك الشرائح المؤثرة؛ يضع التقرير أسلوب عمل التواصل بين هؤلاء وصناع القرار السياسي في الولايات المتحدة. كما يتم تزويد هؤلاء بالأهداف العليا لتحقيق أهداف التقرير ومنها الديمقراطية؛ وتحديث التعليم، والإعلام، والمساواة في النوع (تحرير المرأة)، وتهيئة النشء للقبول بالأفكار الإسلامية "المعتدلة"، وإقامة ورش عمل وندوات ولقاءات فكرية. وكذلك التجهيز لمؤتمر دولي للحرية الثقافية؛ يكون مماثلاً للجنة الحرية الثقافية التابعة للكونجرس؛ وصولاً إلى إعلان جماعي لمحاربة التطرف الإسلامي. لقد زاد الاهتمام الأميركي بالعالم الإسلامي بعد أحداث 11 سبتمبر حكومياً وشعبياً. كما سمعنا عن رواح الكتب -التي تتناول الإسلام والقضايا والشخصيات الإسلامية- في الولايات المتحدة. بل وزادت المؤتمرات واللقاءات التي تبحث التسامح الديني واحترام الآخر وحوار الأديان. كما ظهرت في الأدبيات الصحافية كلمات جديدة مثل: التسامح مع الآخر؛ حوار الآخر، حوار الحضارات، التقارب القيمي، وغيرها من المصطلحات التي لم تكن تستخدم من قبل في الفضاء العربي. فإلى أين نحن نتجه؟ وإلى أين تتجه سياسات الولايات المتحدة؟ هنالك محاور محددة تفصل بيننا وبين الولايات المتحدة. وبرأينا المتواضع؛ لن يكتب للمحاولات الأميركية -التقرب إلى العالم الإسلامي- النجاح ما لم تحاول الولايات المتحدة تعديل سياساتها الخاصة بقضايا العالم الإسلامي، وأهمها القضية الفلسطينية وإنهاء احتلالها للعراق. والكف عن تهديد بعض الدول الإسلامية أو توزيع العالم بين محورين؛ أحدهما "خير" والآخر "شر"!؟ وإذا كان العالم الإسلامي (الضعيف) قد قدم كل التنازلات فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية؛ والولايات المتحدة تدرك جيداً أن الكيان الصهيوني هو الطرف المعتدي منذ نكبة 1948 وحتى اليوم؛ فإن قوافل الشهداء والمُهجَّرين وفلسطينيي الشتات صور لا يمكن أن تتلاشى من الوجدان الإسلامي والعربي. وإذا كانت الولايات المتحدة جادة في تبديل نهجها الخاص بالتعامل مع قضايا العالم الإسلامي؛ فإن وضع المبادرة العربية موضع التنفيذ سيكون الطريق الأسهل والأول نحو علاقة جديدة بينها وبين المسلمين والعرب. المحور الآخر من محاور الفصل أو التناقض بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي هو عدم جدية ومصداقية الولايات المتحدة فيما يتعلق بالأطروحات الديمقرطية وقضايا التنمية البشرية في العالم الإسلامي! فالجيوش الأميركية على أهبة الاستعداد للتدخل في أي بلد قريب من المصالح الأميركية! لماذا تغض الولايات المتحدة النظر عما يدور في الصومال أو الحدود الهندية الباكستانية أو السودان؟ ولماذا لا تفتح الولايات المتحدة ملف حقوق الإنسان في دول الشرق الأوسط؟؟! ولماذا يمارس "أصدقاء" الولايات المتحدة أبشع حالات الديكتاتورية؛ وهي تصمّ آذانها عن ذلك بحجة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول؟! لقد تدخلت في العراق وفي أفغانستان وفي حرب عام 1967 وقبلها 1956 وفي الحرب العالمية الثانية! فلماذا تساند دولاً تعادي الديمقراطية ويحكمها حكام ديكتاتوريون مثل صدام حسين، وهي لا تحرك ساكناً، بل توثق علاقاتها ومعوناتها المالية لتلك الدول!؟ مثل هذه الأسئلة لا تدور في ذهن المتطرفين الإسلاميين فحسب؛ بل يتداولها الليبراليون العرب والمسلمون الذين يأملون أن يكون الغد الأميركي خيراً من الأمس؛ وأن تحاول الولايات المتحدة تبديل الصورة النمطية التي رسمتها لنفسها لدى الشعوب الإسلامية! وإذا كانت الولايات المتحدة -بكل عتادها العسكري وآلتها الاستخباراتية- لم تستطع ضبط إيقاع تحرير العراق؛ فكيف يمكنها أن تحكم العالم الإسلامي عبر الثقافة والإعلام؟! نحن نعتقد أن هنالك مبالغة في تصوير الأمور لدى المؤسسة المذكورة. صحيح يمكن أن يتخلق جيل جديد عبر التعليم الحديث؛ ويمكن أن تزداد المطالبات بالحرية والديمقراطية وتحرير المرأة؛ ولكن لا نعتقد بضمان قبول الولايات المتحدة أو وكلائها -في العالم الإسلامي- ضمن عملية التحديث. لأن أغلب الأنظمة في العالم الإسلامي تريد التقدم البطيء ولا تريد مواجهة أو التخاصم العلني مع التيارات الدينية، حتى وإن كانت هذه الأخيرة متطرفة! سيكون هنالك حراك وحراك مضاد؛ ولكن ليس بالضرورة حسبما يراه التقرير المذكور!