باحثة سويدية مرموقة دولياً هي الدكتورة إيفلين جيردا لندنر، وقفت حياتها الأكاديمية منذ حصولها على الدكتوراه في علم النفس من جامعة أوسلو عام 2001 لدراسة ظاهرة الإذلال Humiliation في العلاقات الدولية، وتأثيرها على اشتعال أحداث العنف بين الجماعات، وعلى قيام الحرب بين الدول. وقبل أن نتقدم خطوة أخرى في العرض والمناقشة لابد لنا أن نقدم تعريف هذه الباحثة الرائدة لـ"الإذلال" حيث تقول إنه "الحط من قيمة شخص أو جماعة، والذي يتم بصورة قسرية، وهو عملية إخضاع الغرض منها نزع الإحساس بالفخر والشرف والكرامة. والإذلال يهدف إلى وضع ضحاياه في موقف أدنى مما يعتقدون أنهم يستحقونه. والإذلال يتضمن معاملة متدنية. وهو قد يتضمن أفعالاً تستخدم القوة، بما في ذلك القوة العنيفة. وفي صميم الإذلال فكرة تركيع الآخر، من خلال عملية الهدف منها أن يشعر الضحية أو الضحايا بأنهم سلبيون لا حول لهم ولا قوة". وثمة سؤال يطرح نفسه: ما هو رد فعل الضحايا لعملية الإذلال؟ قد يصيب الاكتئاب بعضهم، وقد تتفجر نزعات الغضب الشديد لدى بعض آخر، غير أن بعضهم قد يدارون غضبهم ويستعدون للانتقام. وهذا الشخص الضحية والعضو في جماعة ما أو الذي ينتمي لشعب مقهور ما، قد يصبح زعيماً لحركة تمارس العنف المضاد، أو ترتقي لتصبح حركة مقاومة بالمعنى الحقيقي للكلمة. والإذلال قد تمارسه دولة أو مجموعة دول ضد دولة معينة. وقد تمارسه دولة تمارس الاستعمار والاستيطان ضد شعب بأكمله، كما فعلت فرنسا إبان استعمارها للجزائر، أو كما تفعل الدولة العنصرية الإسرائيلية اليوم ضد الشعب الفلسطيني، والذي يتمثل في دهم البيوت واختراق حرماتها والقبض على المناضلين واعتقالهم وتعذيبهم. وقد ترقى العدوانية الإسرائيلية إلى مستوى "إرهاب الدولة"، حيث تمارس عمليات الاغتيال علناً لقادة المقاومة الفلسطينية. وتشير لندنر -للتدليل على خطورة ممارسة الإذلال ضد الآخر وآثاره المدمرة- لواقعة تاريخية معروفة، وهي ما تم من إذلال لألمانيا بعد توقيع معاهدة فرساي، وهو الذي أدى من بعد بهتلر إلى أن يشعل الحرب العالمية الثانية انتقاماً من الإذلال المتعمد لألمانيا من قبل الدول الأوروبية المنتصرة. ومعاهدات فرساي المهينة هي التي وصفها المارشال "فوش" الفرنسي عام 1919 بأنها "ليست معاهدة سلام، ولكنها ستكون وقفاً لإطلاق النار لمدة عشرين عاماً". وصدق توقع الرجل إذ سرعان ما قامت الحرب العالمية الثانية عام 1939 للانتقام مما حدث في فرساي. وبغير أن نخوض كثيراً في التاريخ فإن أمامنا تطبيقات معاصرة في العالم العربي لسياسة الإذلال، أحدثها في العراق الذي غزته الولايات المتحدة الأميركية بزعم تحقيق الديمقراطية في العراق، وأقدمها الاستعمار الصهيوني لفلسطين ونشوء الدولة الإسرائيلية عام 1948، التي تحاول منذ ذلك الحين إذلال الشعب الفلسطيني، بمصادرة أراضيه وبناء المستعمرات، والقبض العشوائي على الفلسطينيين، وتهديم بيوتهم وتعذيب أسراهم. ونحن نريد أن نركز على رد فعل الدول والشعوب على سياسة الإذلال، لأن هذا قد يدفعنا إلى مزيد من الفهم المتعمق لظواهر المقاومة والإرهاب. وفي تقديرنا أن ما يحدث في العراق من رد فعل فئات متعددة من الشعب العراقي ضد سياسة الإذلال التي تتبعها القوات الأميركية، والتي تتمثل في دهم البيوت والاعتداء على الحرمات والقبض العشوائي عل المواطنين بزعم أنهم مخربون، بل والقتل المتعمد للمدنيين ليس مجرد أفعال مقاومة، ولكنها أفعال انتقام مخططة جيداً لإهدار كرامة الولايات المتحدة الأميركية وقواتها المسلحة، من خلال عمليات الهدف منها إثبات أن التفوق التكنولوجي الأميركي لا قيمة له إزاء التخطيط الثوري الذي لا يهدف فقط إلى إجبار القوات الأميركية على الرحيل من العراق، ولكن بعثرة الكرامة الأميركية على أرض العراق. والمتتبع للتطورات السياسية داخل المجتمع الأميركي نتيجة للهزيمة الأميركية في العراق، وثورة أعضاء الكونجرس من "الديمقراطيين" وبعض "الجمهوريين" ضد الإدارة الغبية للرئيس بوش، يدرك تماماً أن جماعات المقاومة العراقية أياً كانت توجهاتها، قد نجحت تماماً في الرد المفحم على المحاولات الأميركية لإذلال الشعب العراقي. لقد صرح الرئيس الأميركي مؤخراً محتجاً على الضغط عليه من قبل الكونجرس لتحديد موعد للانسحاب من العراق كشرط للموافقة على الميزانية التي يطلبها لاستمرار الحرب، بأن هذا التاريخ لو تحدد سيكون تاريخاً للفشل! والرئيس الأميركي بذلك يركب رأسه ويعاند ولا يريد الاعتراف بالهزيمة، وهي التي أكدها كبار الجنرالات الأميركيين، من أن الحرب في العراق لا يمكن بأي حال من الأحوال كسبها عسكرياً، مهما زاد عدد القوات. لقد بلغت الخسائر البشرية الأميركية بين صفوف القوات المسلحة الأميركية قرابة الأربعة آلاف ضابط وجندي، وقدرت تكاليف الحرب ضد العراق حتى الآن بما قيمته خمسمائة بليون دولار! ومازال الضحايا يتساقطون كل يوم، وما زال الإنفاق يزيد. غير أن أهم ملاحظة نقدية أبداها أحد المفكرين الاستراتيجيين الأميركيين، أن هزيمة أميركا في العراق أسوأ بكثير من هزيمتها في فيتنام، وأنها ستضطر مرغمة على إعادة النظر في استراتيجية الأمن القومي، حيث عليها أن تتخلى نهائياً عن نظريتها في تغيير النظم السياسية التي لا ترضى عنها بالقوة، وعن نزعاتها المرضية لإذلال الشعوب وإخضاعها. بعبارة أخرى ما يطلق عليه "الثقافة الاستراتيجية" وهي نمط الإحساس بمخاطر التهديد والأمن القومي وطريقة مواجهته لابد أن تتغير، بما في ذلك سياسة "الإجهاض الاستباقي" التي حلت محل استراتيجية "الردع" التي كانت سائدة أيام الحرب الباردة. وإذا انتقلنا إلى المشهد الفلسطيني حيث اشتد الخلاف في لحظة ما بين السلطة و"فتح" و"حماس" حول استراتيجية المفاوضة واستراتيجية المقاومة، وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية التي قبلت سياسة التهدئة مع إسرائيل والتفاوض معها، إلا أن بعض الفصائل المسلحة الفلسطينية مازالت مصرة على إطلاق صواريخ القسام. وفي تقديرنا أن رفض هذه الفصائل لسياسة التهدئة، يعود في المقام الأول إلى رغبتها في مواجهة سياسة الإذلال الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني. هي بعبارة أخرى تريد أن تتجاوز المقاومة بصورتها التقليدية، لتقوم بأفعال بالغة الحدة والعنف ضد إسرائيل حكومة وشعباً كنوع من الإذلال المضاد. ولعل هذا التفسير يجد مصداقاً له في تصريحات قادة هذه الفصائل، التي ذهبت إلى أنه ما دامت إسرائيل مستمرة في سياساتها لإخضاع الشعب الفلسطيني فلا مناص من مواجهتها باللغة التي تفهمها وهي لغة القوة والعنف. إن ما سبق مجرد مقدمات لشرح نظرية "الإذلال" التي صاغت مكوناتها هذه الباحثة السويدية التي دعيت للمحاضرة في الموضوع في اليابان، وذلك له دلالته. فقد تعمدت الولايات المتحدة الأميركية بعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية إذلال الشعب الياباني، الذي وجه طاقاته لتحقيق المعجزة الاقتصادية اليابانية.