يتوقع "جورج ستوك"، الخبير الاقتصادي في إحدى شركات الاستشارات، أن تشهد الموانئ الأميركية في ظرف سنة من الآن، اختناقاً كبيراً في حركة مرور السفن بسبب استمرار الواردات الأميركية المتزايدة من الصين وباقي الدول الآسيوية في التدفق على تلك الموانئ، بحيث سيؤدي ذلك إلى ازدحام السفن في المنافذ البحرية للوس أنجلوس ولونج بيتش وأوكلند وتاكوما، ثم سياتل وسان فرانسيسكو. وفي القريب العاجل ستصطف السفن المحملة بالبضائع القادمة من الصين في خط طويل منتظرة حيزاً شاغراً لتفريغ حمولتها. وإذا ما استمر الأمر طويلاً وتأخرت البضائع في الوصول إلى اليابسة فمن المحتمل أن يواجه قطاع البيع بالتجزئة خسائر فادحة بسبب البطء في وصول الأقمشة والأثاث واللعب، فضلاً عن الأجهزة الإلكترونية وباقي البضائع من الشرق الأقصى إلى المستهلك الأميركي. ويصف "ستوك" هذا الوضع الذي قد يحدث في المستقبل القريب قائلاً: "إنه نوع من الحمائية غير المعلنة، بحيث يمكنها أن تحل مسألة العجز التجاري الذي تعاني منه أميركا في علاقتها مع الصين دون أن تظهر على أنها مفتعلة من قبل الحكومة". والواقع أن عجز الموانئ الأميركية عن استقبال هذا الكم الهائل من السفن المحملة بالبضائع، بدأ فعلاً يؤرق محلات التجزئة الكبرى في الولايات المتحدة مثل "وول مارت" و"لوز" و"تارجيت" وغيرها، حسبما أفادت به جمعية محلات التجزئة الأميركية. بل إن عمليات التفتيش المكثفة التي تخضع لها الشحنات الأجنبية في الموانئ الأميركية بسبب تنامي الأخطار الأمنية، قد يفاقم خوف تجار التجزئة ويساهم في تعطيل وصول البضائع إلى المستهلك الأميركي. وفي هذا الإطار دعا الخبير الاقتصادي "ستوك" في تقرير أصدرته المؤسسة التي يعمل بها، الزبائن الذين يتعاملون مع البضائع الصينية إلى البحث عن مصادر أخرى للاستيراد لأن اختناق حركة السفن في الموانئ الأميركية سيضاعف التكلفة ويقلص من الأرباح. ويحذر "ستوك" من أن العديد من الشركات سوف تقع في الفخ إذا لم تبادر بالبحث عن بدائل تخرجها من المأزق الذي وإن كان لم يحدث بعد، فإنه أصبح على الأبواب. لكن في غياب حلول سهلة ينصح "ستوك" الشركات الأميركية باستيراد حاجياتها من دول قريبة مثل المكسيك أو تصنيعها محلياً. والواقع أن تراجع حجم الواردات الأميركية من الصين سيمضي غير مأسوف عليه، لاسيما في أوساط العمال الأميركيين والمصنعين. فقد أدى العجز الكبير في الميزان التجاري للولايات المتحدة مع الصين بين عامي 1997 و2006 إلى اختفاء أعداد هائلة من فرص العمل بسبب تضرر القطاع الإنتاجي. وبحسب تقديرات "روبرت سكوت"، خبير اقتصادي في مؤسسة "السياسة الاقتصادية" التي تتخذ من واشنطن مقراً لها، فقد وصل عدد الوظائف التي اختفت في أميركا بسبب المنافسة الصينية نحو 2.16 مليون وظيفة. ورغم أن معظم الأميركيين يستفيدون من البضائع الرخيصة المستوردة من الصين، فإن قضية العجز التجاري بدأت تستقطب اهتماماً واسعاً في الأوساط الاقتصادية والإعلامية الأميركية. وقد فاقت واردات الولايات المتحدة من الصين في السنة الماضية 232.7 مليار دولار، ما سمح للصين بمراكمة 1.2 تريليون دولار من العملة الصعبة استثمرت معظمها في سندات الخزينة الأميركية. وهكذا تكون الصين قد ساهمت في تمويل جزء كبير من عجز الموازنة الأميركية في السنوات الأخيرة. ويرى العديد من الخبراء الاقتصاديين أن الفائض التجاري الكبير الذي تشهده الصين في تعاملاتها مع أميركا، يرجع في الأساس إلى تحديد بكين لسعر عملتها "الياوان" وإبقاء سعر الصرف متدنيا مقارنة مع العملات الأجنبية، لتصبح تلك العملية بمثابة دعم حكومي للصادرات الصينية يصل الى 30%. وفي يوليو 2005 تخلت الصين عن ربط عملتها بالدولار واعتمدت في تقييمها على سلة من العملات الأجنبية، ما نتج عنه ارتفاع قيمة "الياوان" بحوالي 1.2%، ومنذ ذلك الحين ارتفع "الياوان" بحوالي 5%. لكن الخبير الاقتصادي "تشارلز ماكميليون"، قلل من أهمية ارتفاع قيمة "الياوان" في إصلاح الخلل الحاصل في العجز التجاري الأميركي لأن نسبة التضخم في الصين هي أقل منها في الولايات المتحدة، وهو ما يحجب أية فوائد محتملة لارتفاع قيمة العملة الصينية. ويحذر "ماكميليون" من أن تعمد الصين إلى شراء بعض الشركات الأميركية بالنظر إلى السيولة المالية الكبيرة التي تتوفر عليها. وقد وصلت قضية العجز التجاري الأميركي إلى رحاب الكونجرس الأميركي، حيث ناقشت لجنة مختصة مسألة تحديد قيمة العملات التي تقوم بها الصين واليابان. وفي هذا الإطار أدلى رئيس لجنة الكونجرس المختصة بتصريح قال فيه "إن عملية التلاعب بالعملات تضع العمال، والمزارعين الأميركيين في وضع تنافسي غير مريح ولا يصب في صالحهم". ويمكن حل جزء من المشكلة بطريقة تلقائية إذا ما واجهت البضائع القادمة من الصين تأخراً في الموانئ الأميركية بسبب الازدحام في حركة السفن. ورغم انسيابية الحركة في الوقت الحالي، كما يؤكد ذلك الخبير "أرلي باكر"، فإنه مع تدفق مزيد من السفن القادمة من الشرق الأقصى ينتظر أن تشهد الموانئ الأميركية ازدحاماً كبيراً قد يؤخر البضائع لبضعة أيام ويحول دون وصولها إلى المستهلك في الوقت المحدد. ويذكر أن 43% من الواردات الأميركية تدخل البلاد عبر ميناءي لوس أنجلوس ولونج بيتش، وإذا لم يتم البحث عن بدائل أخرى تخفف الضغط عليهما في المستقبل القريب، فربما تشهد أميركا عودة إلى التصنيع المحلي، بدل الاعتماد على البضائع الصينية. ديفيد فرانكس ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كاتب ومحلل اقتصادي أميركي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر برتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"