كثيرا ما يلقِّب "اليسار" الفرنسي نيكولا ساركوزي، الذي يتسلم الرئاسة من جاك شيراك اليوم، بـ"ساركوزي الأميركي". فقد لقي فوزُه في الانتخابات ترحيبا في الدوائر "المحافظة" الأميركية، ووُصف بالقطيعة غير المسبوقة مع "المرض الفرنسي" (في إشارة إلى دولة الرفاه الاجتماعي، و35 ساعة عمل في الأسبوع، والعجرفة الوطنية، ومشاعر معاداة الولايات المتحدة، إلخ). مما لا شك فيه أن "ساركوزي" موال للولايات المتحدة ومعاد للبيروقراطية، ولا يجد مشكلة في مخالطة الأغنياء، مثلما تظهر عطلته الفاخرة (والقصيرة جداً) على يخت أحد الأغنياء في مالطا بعد انتخابه. ثم إن "ساركوزي" نفسه أعلن غير ما مرة اعتزامه تدشين قطيعة واضحة مع سياسات شيراك. والحال أن المشاعر واللفتات ليست هي السياسة. ولذلك، فإنه لا توجد ثورة لـ"المحافظين الجدد" أو ثورة "تاتشرية" في الأفق. قد يقدم "ساركوزي" نفسه في هيئة من يسميه الفرنسيون "ليبرالياً" بخصوص الاقتصاد – أي شخصاً يفضل السوق الحرة. بيد أن الضرائب والرسوم الاجتماعية لم تنخفض في عهده عندما كان وزيراً للمالية؛ كما أنه عرقل محاولات شراء شركات وطنية فرنسية من قبل شركات أجنبية؛ وأنقذ شركة "ألستوم" الفرنسية التي كانت في طريقها نحو الإفلاس بأموال دافعي الضرائب. وعليه، فمن المتوقع أن يحاول "ساركوزي" منح الشركات مرونة أكبر، ولكن من دون الذهاب إلى حد التخلي عن الحد الأدنى للأجور؛ ومنح مزيد من الاستقلالية للجامعات، ولكن من دون خصخصتها؛ وتحديد مفهوم جديد لدولة الرفاه الاجتماعي، ولكن من دون إلغائها؛ وتقليص قوة النقابات، ولكن دون تجاهلها. وهذا لا يرقى إلى مستوى الثورة، وإنما يشكل استمرارا للطريق الوعرة التي يوجد عليها الاقتصاد الفرنسي منذ 1993، عندما تولى إدوارد "بالادير" رئاسة الوزراء وحاول الدفع بأجندة اقتصادية ليبرالية. أما التحرير العام الذي يتصوره "المحافظون" الأميركيون، فلا يوجد ما يؤشر على قرب حدوثه. فحتى الآن، يعد دور قوانين الاتحاد الأوروبي في دعم تحرير الاقتصاد الفرنسي أهم بكثير من دور أي سياسي فرنسي. الأمر لا يتعلق هنا بنفاق، وإنما بالإرادة السياسية. فقد يكون "ساركوزي" ليبرالياً فيما يتعلق بالاقتصاد، غير أنه ليس ليبرالياً سياسياً؛ وقد يرغب في الحد من البيروقراطية، ولكنه يفضل دولة قوية قبل كل شيء. ولا بأس من التذكير هنا أن "هينري غوينو"، وهو أحد كتاب خطاباته، "ديجولي" يساري ومن أشد المدافعين عن الشعور القومي وتدخل الدولة. وعلاوة على ذلك، فتصريحات "ساركوزي" المناوئة للسياسة النقدية المتشددة للبنك المركزي الأوروبي والداعية إلى خفض قيمة العملة الأوروبية الموحدة، تفيد بأنه يميل إلى التدخل أكثر منه إلى عدم التدخل في الاقتصاد. ثمة أيضاً تحديات داخلية كثيرة؛ فالليبراليون الحقيقيون عملة نادرة في فرنسا، في "اليمين" و"اليسار" على حد سواء. ومن أجل انتخابه، كان من الضروري أن يتقرب "ساركوزي" من مختلف شرائح المجتمع الفرنسي، الذي يرغب معظمه في بقاء دولة الرفاه الاجتماعي. وبالتالي، فثمة خطر حقيقي لقيام ائتلاف يضم الغاضبين، مثلما حدث في 1995 عندما شل الطلبة والنقابات المضرِبة حركة البلاد لعدة أسابيع. يحسب البعض لـ"ساركوزي" قيامه بضخ بعض التعددية الثقافية في المجتمع الفرنسي الذي يفضل الاندماج. ولكنه قلل بالمقابل من دعمه لدور أكبر للدين في الحياة العامة: وهو ما يمثل خضوعاً للواقع، على اعتبار أن العلمانية السياسية (ما لم تكن الأيديولوجية) تهيمن على معظم "اليسار" و"اليمين". والواقع أن الأمر نفسه ينطبق على السياسة الخارجية؛ فبالرغم من أنه من غير المعروف عن "ساركوزي" شخصياً أنه من النوع الذي لا يرغب في لفت الانتباه إليه، فإنه من شبه المؤكد أن فرنسا ستتوقف عن تعليم العالم دروساً في التقليد "الديجولي". وتلك مسألة تتعلق بالسن أكثر من تعلقها بالأيديولوجيا. فإذا كان الموقف الديجولي مازال قوياً في أوساط أعضاء النخبة السياسية الأكبر سناً، فإن الأمر مختلف بين أعضاء الأجيال الأصغر سناً، مثل الرئيس المنتخب البالغ 52 عاماً. بالرغم من أنه من شبه المؤكد أن "ساركوزي" سيختار لفرنسا موقعاً بعيداً عن الأضواء بخصوص السياسة الخارجية، فإن ذلك لا يعني أنه سيؤيد استراتيجية "المحافظين الجدد" الأميركيين. ذلك أن هذه الاستراتيجية ميتة اليوم. ثم إنه حتى عندما كان ثمة عدد كاف من الأشخاص على الجانبين المتقابلين في فرنسا لخوض نقاش بخصوص تدخل الولايات المتحدة في العراق، فإن "ساركوزي"، الذي ندد بالنبرة المعادية للولايات المتحدة لشيراك ووصفها بالمتعجرفة، لم يدعُ أبداً إلى الانضمام إلى الائتلاف الأميركي. بل إنه ألمح مؤخراً إلى إمكانية سحب القوات الفرنسية من أفغانستان. ومن الواضح أن "ساركوزي" صديق مقرب لإسرائيل، ويفتقر إلى التجربة مع العالم العربي، غير أن موقفه بخصوص النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، وبعيداً عن العواطف، مطابق للموقف الفرنسي التقليدي (حل الدولتين عبر مفاوضات ثنائية). أما بخصوص إيران، فقد انتقد "ساركوزي" التراخي الأخير للموقف الفرنسي، غير أن ذلك يعني فقط أنه سيحث الحكومة على الدعوة إلى عقوبات اقتصادية. وبمعارضته الجذرية لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، يكون "ساركوزي" قد اختلف مع سياسة الولايات المتحدة، ولكنه انسجم مع الرأي العام الفرنسي. بالرغم من أن الحكومة الجديدة لم تعين بعد رسمياً، إلا أن الأسماء التي تحدثت عنها الدائرة المقربة من "ساركوزي" تؤكد أنها ليست حكومة "محافظين جدد"؛ ذلك أنها تضم يساريين سابقين (مثل بيرنار كوشنار، مؤسس منظمة "أطباء بلا حدود"؛ ووزير الخارجية السابق هيبير فيدرين)، إضافة إلى بعض أعضاء الوسط وبعض "المحافظين" من المدافعين عن البيئة (مثل رئيس الوزراء السابق ألان جيبي). على أن الشخصية الوحيدة -حسبما تردد- المرتبطة بـ"اليمين الأخلاقي"، هي "كريستين بوتان"، التي، وإن كانت تعارض الزواج المثلي، فإنها عُرفت بدفاعها عن "حق السكن" بالنسبة للمشردين. والواقع أن هذه الأسماء لم تثر أي ضجة في الجانب "المحافظ"؛ حيث يبدو أن تعاليق الصحافة والرأي العام تؤيد خطوة نحو الوسط من هذا القبيل. إن الأميركيين لا يفهمون ما يمكن أن تعنيه عبارة فرنسا "محافظة"؛ فهي لا تعني تحولا جذرياً نحو السوق الحرة والقيم الأخلاقية التقليدية، وإنما تعني توفيقا بين دولة رفاه اجتماعي و(قوية) وسوق عمل أكثر مرونة. وعليه، فيمكن القول إن فرنسا في عهد "ساركوزي الأميركي" ستظل فرنسية جداً. أوليفيي روا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أستاذ العلوم الاجتماعية في باريس ومؤلف كتاب "الإسلام المعولم" ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"