الرئاسة هي أكبر معارك التيار الإسلامي المعتدل في تركيا. ومن المبكر التنبؤ بنتيجة المعركة. فبينما تمكن "الكماليون" (أنصار مؤسس الجمهورية التركية) من إجهاض ترشيح عبدالله غول للرئاسة في البرلمان التركي, تمكن "حزب العدالة والتنمية" بدوره من دفع البرلمان التركي لإصدار قرار بعقد انتخابات الرئاسة على المستوى الشعبي. ومن المحتمل للغاية أن يفوز مرشح للحزب الإسلامي لو أجريت انتخابات رئاسية مباشرة. غير أنه من المحتمل أيضاً أن يقوم الجيش التركي بانقلاب ولو جزئي قبل أو بعد هذه الانتخابات لدرء احتمال أن يهيمن الحزب على كل المواقع الجوهرية في الدولة التركية، وهو ما يفتح الباب أمام إلغاء "الكمالية". وإذ يعرف الجيش أن مثل هذه الخطوة ستكون مكلفة سياسياً في الداخل والخارج، فقد يتصرف بطريقة أخرى مثل ترشيح ومساندة شخصية عسكرية أو سياسية قوية لها حضور شعبي كبير للانتخابات في مواجهة مرشح العدالة والتنمية. لكنه لو خسر هذه المناورة سيكون قد حرم نفسه من ورقة الانقلاب أو التهديد به، وهو ما يعني أن التقدم لحسم المعركة الرئاسية بصناديق الاقتراع قد يصبح آخر معاركه في الدفاع عن "الكمالية". وأخيراً قد يصل الطرفان إلى حل وسط بترشيح شخصية تكون مقبولة من "الكماليين" و"الإسلاميين" معاً، وهو ما يؤجل المعركة إلى لحظة ما في المستقبل. وفي جميع الحالات لا يبدو أن الجيش سيتمكن من الفوز بالضربة القاضية وقد لا يتمكن من الفوز أصلاً في معركة البقاء للكمالية على الأقل في الأمد المنظور. "الكمالية" في أزمة في تركيا، لأن الشعب لم يعد يقبل بالتعايش معها إلى الأبد، ولأن الحياة تتغير ولا سبيل للوقوف أمام تيار الحياة مهما كانت القوة المانعة. لكن هل يعني ذلك أن الكمالية ماتت؟ الطريف هو أنه بينما تهتز "الكمالية" كمذهب سياسي في تركيا فهي تولد ولو على استحياء في العالم العربي. أي أن "الكمالية" قد تهاجر ولو مؤقتاً من تركيا إلى بعض الدول العربية. لكن ما "الكمالية"؟ وهل تعد شيئاً جديداً في العالم العربي؟ يعتقد كثيرون أن الانقلابات والثورات العسكرية العربية في عقدي الخمسينيات والستينيات، كانت متأثرة بشدة بالمذهب "الكمالي" في تركيا. وهذا صحيح إلى حد ما وإن كان متفاوتاً بين الناصرية والبومدينية والأسدية والصدّامية (الأولى). غير أن الطريقة التي حكم بها العسكريون العرب لم تأخذ بالكمالية أبداً حتى منتهاها. فالكمالية كما أراها ليست مجرد تفسير متطرف للعلمانية بل هي نزع لأي دور للدين في الفضاء العام: السياسي والمدني أيضاً. وهي لم تكتف بمطاردة وقمع كل نشاط سياسي باسم الدين بل ذهبت إلى حظر كل رمز ديني في الحياة الاجتماعية وحصرته داخل البيوت والمساجد. وبالمقارنة, لم يجرؤ العسكريون العرب أبداً على القيام بما قامت به "الكمالية" في تركيا وخاصة في "فترتها الذهبية" بين تأسيس الدولة الحديثة ومنتصف عقد الستينيات. قام أغلبهم بمواجهات عنيفة وتصفيات اقترب بعضها من المذابح الجماعية لنشطاء حركة الإسلام السياسي وبصفة أخص حركة "الأخوان المسلمين". غير أن هذا القمع الشديد لم يكن نوعاً من الحرب المعلنة ضد الدين في الحياة العامة، بل كان أقرب إلى الصراع السياسي من أجل احتكار السلطة والرموز الدينية معاً. إذ حرص العسكريون العرب على أن يظهروا باعتبارهم ساسة متدينين ومؤمنين بما وصل أحياناً إلى التنافس مع حركات الإسلام السياسي حول انتزاع الرموز والمعاني الدينية، وهو شيء مختلف اختلافاً كبيراً عن الكمالية. والواقع أن العسكريين المصريين الذين ثاروا عام 1952، كانوا في الأغلب شخصيات متدينة وقامت حكوماتهم المتعاقبة بتكثيف التعليم الديني في المدارس والجامعات الحكومية. ولم يفكر أحد منهم في استبعاد دور الأزهر مثلاً. بل أدى قانون تحديث الأزهر في الحقيقة لتوسيع دوره في التعليم فصار مؤسسة تعليمية ضخمة وشاملة تضم أعداداً ونسباً متزايدة من التلاميذ والطلاب. وحرص عبد الناصر شخصيا على أداء الصلاة وإذاعتها في الإذاعة والتلفاز، بل وقام بإلقاء أهم خطبه على الإطلاق -خاصة خطاب تأميم قناة السويس عام 1956- من منبر الجامع الأزهر. واعترف عبد الناصر بدور الدين في الفضاء العام ووثق هذا الاعتراف في أهم وثائق الثورة وخاصة الميثاق الوطني عام 1962. وتضمنت رؤيته للدين في الحياة العامة تفسيراً ثورياً يقوم على دوره في نشر العدل. وحرص بومدين والقذافي بل وصدام حسين على إبراز توجهات مشابهة. إذا كان الأمر كذلك، فما هي علامات ولادة "نزعة كمالية" جديدة في العالم العربي؟ إن اقرب النماذج العربية للكمالية، جاءت من تونس في ظل حكم الرئيس بورقيبة والذي لم تكن لديه أية خلفية عسكرية. لكن لا وجه للمقارنة بين أداء بورقيبه وأداء الرئيس زين العابدين فيما يتعلق بظهور الدين في الحياة العامة، بما فيها الحجاب وغيره من المظاهر المدنية والشكلية البحتة. وذهب النموذج التونسي الراهن شوطا واسعاً في حصر الدين داخل المساجد والبيوت وإبعاده إبعاداً تاماً من المجال السياسي. ويمكن القول بأن النظام السياسي التونسي الراهن، أقرب النماذج العربية للكمالية التركية. وبدا أن الانقلاب العسكري في الجزائر عام 1992 أقرب شيء إلى حاضنة لنزعة كمالية متشددة لولا إدراك العسكريين لاستحالة إظهار هذه النزعة بصورة رسمية. وبينما لم يصل الموقف في سوريا أبداً إلى هذا المستوى، فإن الحرب التي شنها الرئيس الراحل حافظ الأسد ضد حركة "الإخوان المسلمين" في الثمانينيات، شارفت على "الكمالية" أو النزعة العلمانية المتطرفة. ويتحرك النظام السياسي المصري مؤخراً في هذا الاتجاه نفسه. وأهم الخطوات التي اتخذها على هذا الطريق هي التعديلات الدستورية الأخيرة. إذ نص تعديل المادة الخامسة على حظر إنشاء الأحزاب السياسية وإقامة "النشاط السياسي" على أسس دينية. ونص تعديل المادة 179 على تمكين الرئيس من إحالة المدنيين المتهمين بالإرهاب إلى المحاكم العسكرية. والهدف الواضح من هذا التعديل هو محاولة تصفية حركة "الإخوان المسلمين" باستخدام النص الدستوري ونظام المحاكم العسكرية. وبينما لا يمكن تفسير هذه التدابير باعتبارها إقصاءً للدين من الحياة العامة ولا حتى من الحياة السياسية، فإنها تكشف عن "ذهنية" تقترب بمسافة محسوبة من "الكمالية". وبهذا المعنى نقول بأننا نشهد ولادة نزعة "كمالية" أو مشابهة للكمالية في العالم العربي. وقد يمكن فهم هذه الولادة باعتبارها رد فعل متطرفا من جانب نخب حكم "جديدة" وذات طابع بيروقراطي وتكنوقراطي على التطرف والتشدد الديني الذي يجتاح أكثرية البلاد العربية. غير أن ذلك كله لا يشير إلى إمكانية تحويل النظم السياسية العربية إلى "الكمالية" فيما يتعلق بموقفها من دور الدين في الحياة العامة. ويبدو ذلك مستحيلاً في الأمد المنظور. فرغم الفشل الممتد والتشوه المتعاظم للنظم السياسية والاجتماعية، تظل التجربة السياسية العربية متجذرة في النموذج الذي وضعه المفكرون والإصلاحيون العرب منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وهو نموذج يقوم في الجوهر على التوفيق بين الفقه الإسلامي والحداثة الغربية.