لكي نقدر أهمية العمل الذي جند الشاطبي نفسه للقيام به، وهو ما عبر عنه بـ"تأصيل أصول الشريعة"، قد تكفي المقارنة بين الطريقة التي تناول بها "مسألة العموم والخصوص" والطريقة التي تناولها بها علماء أصول الفقه منذ الشافعي إلى اليوم، وهي الطريقة التي رسخها الغزالي عندما تخلى عن منهج السابقين له القائم على القياس الفقهي وتبنى القياس الصوري الأرسطي. ولشرح هذه المسألة قد نضطر هنا إلى شيء من الاستطراد فنبيِّن الفرق بين هذين النوعين من القياس أولاً، حتى يتضح الأمر لغير المختص. القياس الفقهي يقوم على اعتبار المشابهة بين طرفين أحدهما يعتبر أصلاً (ما نزل فيه نص) والآخر فرعاً لكونه لم ينزل فيه نص. ويتأكد عندهم ضرورة حمل حكم الأول على الثاني، عندما ترتقي علاقة المشابهة تلك إلى مستوى ما يعتبرونه "العلة" في حكم الأصل. والمثال المشهور في هذا المجال هو: تحريم النبيذ. ذلك أن المحرم بالنص هو "الخمر". ولما كانت "علة" تحريمه (أي السبب الذي من أجله حرمه الله) هي كونه مُذهباً للعقل (مُسكراً: وذهاب العقل يسقط التكليف)، ولما كان النبيذ يشبه الخمر في هذا الأمر (الإسكار)، حكموا بتحريمه. وهذا الحكم هو المقصود بالقياس: قاسوا النبيذ على الخمر. واعتبروا هذا أصلاً، وذلك فرعاً. انتقد الغزالي هذا المنهج لعيوبه الكثيرة التي منها أن الصفات التي تقوم عليها المشابهة بين شيئين كثيرة لا تحصى، والنص الشرعي نادراً ما يبيِّن أيها سبب التحريم، وبالتالي فاعتبار الفقيه صفة من تلك الصفات علةً دون غيرها مبنيٌّ على مجرد الظن أي على اجتهاده الشخصي. أراد الغزالي إذن أن يبني المعرفة الفقهية على "اليقين" وذلك باصطناع القياس الصوري الأرسطي الذي قوامه مقدمات تنتج عنها نتيجة ضرورة، مثل قولنا: كل إنسان مائت (مقدمة كبرى)، سقراط إنسان (مقدمة صغرى)، إذن: سقراط مائت (نتيجة). وكان ابن حزم قد دعا قبل الغزالي إلى اعتماد هذا النوع من القياس بدلاً من قياس فرع على أصل. وبما أن صحة النتيجة في القياس الأرسطي تتوقف على صحة المقدمتين، فقد جعل ابن حزم، ومن بعده الغزالي، المقدمة الأولى قضية عقلية يقينية، والمقدمة الثانية قضية شرعية (نص). وبهذا يتركب قياس عقلي، في موضوع النبيذ مثلا، كما يلي: "كل نبيذ مسكر (قضية عقلية تؤكدها التجربة)، وكل مسكر حرام (قضية شرعية)، فلزم أن كل نبيذ حرام". هذا القياس صوري، بمعنى أن الاهتمام فيه موجه إلى صورة القضايا فقط، أي إلى شكل تركيب الكلام فيه، (مقدمة كبرى وأخرى صغرى ثم نتيجة)، أما "مادة" هذه القضايا، أعني مطابقتها للواقع أو عدم مطابقتها، صحتها أو عدم صحتها، فلا يهتم بها، وإن فحصها فاحص تداعت صحة النتيجة فيها، لأن صحة النتيجة في هذا القياس تتوقف على صحة المقدمات. ففي المثال السابق يمكن الطعن ولو جدلاً في المقدمة الأولى (كل نبيد مسكر)، لأن القائل بها لم يستقرئ، ولم يُحص، جميع أنواع النبيذ، فكيف جاز له استعمال لفظ "كل"؟ كما أن المقدمة الثانية (كل مسكر حرام) يمكن الجدال فيها لأن ما ورد في القرآن هو تحريم "الخمر" (وهو مخمر العنب) فمن أين جاء هذا التعميم؟ إنه تعميم لا يؤسسه سوى ظن الفقيه المجتهد أن علة تحريم الخمر هي كونه مسكراً. وهذا الظن لا يرقى إلى مستوى اليقين لأن القرآن لم ينص على ذلك ولا أحد يعلم مقصود الله من أوامره ونواهيه. هكذا يتضح أن اليقين الذي ادعاه الغزالي وغيره للقياس الأرسطي هو يقين صوري فقط، هو يقع على مستوى شكل تركيب الكلام وليس على مضمونه. ولكي يكون هذا القياس برهانياً (يثمر اليقين) يجب أن تكون مقدماته يقينية. وهذا ما أراد الشاطبي بيانه، بإعلانه أن الشريعة الإسلامية مبنية على "القطع" أي اليقين، كما شرحنا ذلك في المقال السابق. بعد هذا الاستطراد نعود إلى مسألة العموم والخصوص لنقارن بين طريقة الشاطبي في معالجتها وطريقة الغزالي (ومن كان قبله وجاء بعده من علماء الأصول). إن نقطة البدء في عملية التأصيل التي قام بها الشاطبي في هذه المسألة هي افتراقه صراحة عن الغزالي وغيره من الأصوليين في النظر إلى مفهوم "العموم". لقد رأينا الغزالي يقرر أن "العموم والخصوص من عوارض الألفاظ لا من عوارض المعاني والأفعال"، وهذا يحيلنا على اللغوي المشهور أبي عبيدة: اللفظ العام هو الذي يدل على "الجميع" والخاص هو الذي يدل على "الواحد". فكأن المسألة هنا هي نفسها مسألة "الجمع" و"المفرد" في النحو، كما بينَّا في مقال سابق. أما الشاطبي فيقول بالعكس من ذلك: إن المراد هو "العموم المعنوي" سواء كانت له صيغة مخصوصة من صيغ العموم اللفظي (كقولنا "الرجال"، أو "الذين كفروا")، أو لم تكن له. ويشرح ذلك فيقول: "فإذا قلنا في وجوب الصلاة أو غيرها من الواجبات وفي تحريم الظلم أو غيره: إنه عام، فإنما معنى ذلك أن ذلك ثابت على الإطلاق والعموم"، سواء كان الدليل (اللفظ المفيد لوجوب الصلاة أو لتحريم الظلم) قد جاء بصيغة عموم أولاً، وذلك لأن "الأدلة المستعملة هنا إنما هي الاستقرائية المحصِّلة بمجموعها القطعَ بالحكم". وقد بينَّا في المقال السابق كيف ينطلق الشاطبي لا من "استثمار الألفاظ" كما يفعل الأصوليون بل من استقراء الأحكام الشرعية ونظمها في قواعد كلية. إن الاعتماد على صيغ العموم في الألفاظ، كثيراً ما ينتج عنه تعارض مع قضايا الأعيان، أي النوازل الخاصة التي تعتبر أسباباً للنزول، وهو التعارض الذي يثير مشكلة: "لمن الاعتبار: ألعموم اللفظ أم لخصوص السبب؟". إن استقراء الشريعة ونظمها في قواعد كلية يساعد على تجاوز هذا التعارض بصفة نهائية. ذلك أنه "إذا ثبتت قاعدة عامة، أو مطلقة، فلا تؤثر فيها معارضة قضايا الأعيان ولا حكايات الأحوال (أي ما يعتبر أسباباً للنزول). ذلك أننا إنما نتكلم في الأصول الكلية القطعية، وقضايا الأعيان مظنونة أو متوهمة (لأن أساسها رواية الآحاد في الأغلب)؛ والمظنون لا يقف للقطعي ولا يعارضه. وأيضاً فالقاعدة غير محتملة (ليست مبنية على مجرد الاحتمال والظن) لاستنادها إلى الأدلة القطعية، وقضايا الأعيان محتملة لإمكان أن تكون على غير ظاهرها أو على ظاهرها وهي مقتطعة ومستثناة من ذلك الأصل، فلا يمكن والحالة هذه إبطال كلية القاعدة بما هذا شأنه. أضف إلى ذلك "أن قضايا الأعيان جزئية والقواعد المطردة كليات، ولا تنهض الجزئيات أن تنقض الكليات. ولذلك تبقى أحكام الكليات جارية في الجزئيات وإن لم يظهر فيها معنى الكليات على الخصوص، كما في المسألة السفرية بالنسبة إلى الملك المترف" (لأنه لا يعاني من مشقة السفر التي رُخِّص الإفطار في رمضان بسببها). وإذا حدث أن عارضت الجزئيات القاعدة الكلية "فإما أن يعملا معاً أو يهملا، أو يعمل بأحدهما دون الآخر، أعني في محل المعارضة. فإعمالهما معاً باطل وكذلك إهمالهما، لأنه إعمال للمعارضة فيما بين الظني والقطعي، وإعمال الجزئي دون الكلي ترجيح له على الكلي وهو خلاف القاعدة، فلم يبق إلا الوجه الرابع وهو إعمال الكلي دون الجزئي وهو المطلوب". وهنا لابد من التنبيه إلى أن الأمر لا يتعلق بإبطال الجزئي وقد ورد النص فيه أو بمناسبته، ذلك أن ما نحن فيه -يقول الشاطبي- هو "من قبيل ما يتوهم فيه الجزئي معارضاً، وفي الحقيقة ليس بمعارض، فإن القاعدة إذا كانت كلية ثم ورد في شيء مخصوص وقضية عينية ما يقتضي بظاهره المعارضة في تلك القضية المخصوصة وحدها، مع إمكان أن يكون معناها موافقاً لا مخالفاً، فلا إشكال في أنه لا معارضة هنا، وهو هنا محل التأويل لمن تأول، أو محل عموم الاعتبار إن لاق بالموضع الاطراح والإهمال، كما إذا ثبت لنا أصل التنزيه كلياً عاماً (تنزيه الله من الصفات الجسمية بقوله تعالى "ليس كمثله شيء")، ثم ورد موضعٌ ظاهره التشبيه في أمر خاص يمكن أن يراد به خلاف ظاهره على ما أعطته قاعدة التنزيه (مثل قوله "يد الله فوق أيديهم")، فمثل هذا لا يؤثر في صحة الكلية الثابتة (التنزيه). هذا فيما يخص الفرق بين منطلق الأصوليين القائل "العموم والخصوص من عوارض الألفاظ" ومنطلق الشاطبي الذي يقول بـ"العموم المعنوي" المبني على استقراء الشريعة واستخلاص القواعد الكلية. تبقى بعد ذلك مسألة من الأهمية بمكان في نظرية الشاطبي في "تأصيل أصول الشريعة"، هي: قصد الشارع.