في ندوة عُقدت، خلال الآونة الأخيرة، بأحد المراكز البحثية العربية عن استعادة الوعي العربي، التي طرحت للفحص والحوار، كان هنالك حدّ من الإقرار من قِبل المشاركين بأن "الوعي العربي" هو راهناً بين الغياب والخفوت كحالة فاعلة في الشأن العربي العام، وليس ذلك مدعاة للدهشة والاستغراب أو الاستنكار، فالعالم العربي بعُجره وبجره لا يخرج -عموماً وإجمالاً- عن هذه الرؤية الأولية. وكنا في مساهمتنا التي قدّمناها في الندوة العتيدة، قد تحدثنا عن "حُطام عربي مفتوح" يُنيخ بثقله على معظم البلدان العربية بدرجات تختلف في بلد عربي أو آخر. وفي ذلك، تفادينا القول بحطام عربي على عواهنه، أي أن يكون مغلقاً بذاته أو في طور أن يكون كذلك. ولو لم نفعل ذلك، لوقعنا في غلط بحقّ الواقع العربي والفكر الذي ينتمي إليه، ولكُنا -كذلك- قد وقعنا في خطأ منهجي من السهولة الوقوع فيه، نظراً لاضطراب واهتزاز مقولتَيْ "الواقع العربي" و"الفكر العربي" في مرحلتنا المعيشة، توافقاً مع اضطراب واهتزاز الواقع العربي والفكر العربي نفسيْهما. وجدير بالقول إن بعض الكتاب والباحثين العرب جرى استدراجهم للوقوع في الخطأ المذكور (وهم في أساسهم المنهجي مهيّأون لذلك حيث وصلوا إلى القول الواضح ببنية عقلية عربية مغلقة أو غدت مغلقة، لا تتمكن حتى الشياطين من فتحها). وبرزت في الندوة مسألة تتعلق بالعنوان، الذي تصدرها، وهو "استعادة الوعي العربي"، فقد أعلن بعض الباحثين أن العنوان المذكور قد يكون قابلاً للتصويب، وذلك عبر ما يمكن أن يكون أكثر دقة، وهو القول بـ"إعادة بناء الوعي العربي". فإذا كان الحوار يدور على استحقاق فكري عربي ذي بُعد استراتيجي، فإنه حالئذ سيتجه إلى ما هو أكثر حسماً وأوّلية في الأمر. وهذا يعني معاينة الوعي العربي في تشخيصه ومكوّناته الراهنة، أي كما هو عليه في لحظته المعيشة الآن. وبعدئذ، أو بالأدق، في سياق ذلك وناتجه سيتمكن الباحث من تبيّن مواضع الخلل في الوعي المذكور، وتحديد مصادر هذا الخلل ومرجعياته الراهنة والسابقة والأخرى المحتملة. وفي هذا المِعقد من المسألة، تبرز أهمية التناول البنيوي (من البنية وليس من المذهب البنيوي) والتاريخي لما نحن بصدده. بتعبير آخر، يُحدد الباحث، أولاً، موضوع بحثه من حيث هو في بنيته ومكوناته، ويكتشف أثناء ذلك وفي سياقه الجهات التي أسست الوعي المذكور، وهذا يعني أننا نبدأ من الوعي العربي و(غيره) بوصفه ناتجاً تاريخياً وبنية ناجزة، في آن واحد. وفي هذه الحال، حين يستمر هذا الوعي متخلفاً، فإنه ينبغي البحث في "تاريخية" هذا التخلف، التي تكتسب مراحل مختلفة وخصوصيات متباينة بقدْر أو بآخر. وهذا يعني ضلال الاعتقاد بالقول الشائع: كل الدروب تقود إلى روما؛ أو: كل شيء عند العرب صابون. إعادة بناء الوعي العربي هي التي تحفزنا على "استعادته"، لكن بعد أن نكون قد حدّدنا ما هو هذا "الوعي في ما أفضى إليه في مرحلتنا، وكيف تكوّن في مساره التاريخي، ومن ثم، كيف نستعيده (ولا نعيده) عبر طريقين لا يمكن تجاوزهما، هما المستوى المعرفي الذي نمتلكه أولاً، والاحتياجات الإيديولوجية (بما فيها المصالحية) التي تكمن في نسيجنا المجتمعي العمومي ثانياً. نعم، نحن نواجه مهمة إعادة البناء المذكورة دائماً، في مراحل الانكسار كما الارتقاء، وفي هذا، يظهر الفهم التاريخي (التكويني المنهجي) مدخلاً إلى ذلك. حيال ذلك الموقف، برزت لدى المشاركين في الندوة أفكار عديدة، منها ما دلَّل على كونه بنّاءً فطالب البعض منهم بدمقرطة العالم العربي، وإنتاج مجتمعات عربية قائمة على المؤسسات ذات الصّدقية والشفافية، وخصوصاً منها ما يتصل بالحقول التعليمية العالية، والقضائية والثقافية والسياسية. وفي هذا وذاك، كان واضحاً أن الوعي العربي، الذي جرى الحديث عنه في إطار إعادة البناء والاستعادة من موقع استحقاقات المجتمعات العربية المعاصرة، يتمثل خصوصاً في شبكة من المفاهيم الكبرى، وفي مقدمتها مفاهيم الوعي الوطني، والوعي القومي العربي، والمفهوم الحداثوي، والوعي الديمقراطي. وكانت هناك في الندوة إشارات إلى غياب تلك المفاهيم في الوعي العربي الراهن، إضافة إلى غياب ما اعتبره البعض لحظات تأسيسية في تكوين هذا الأخير، وفي مقدمتها وعي الحوار العالمي بين الشعوب والمثاقفة بين الثقافات المختلفة، والانطلاق من أن هذا جميعه يستوجب الانخراط في مشروع عربي نهضوي تنويري جديد.