يبدو أن الرئيس الفرنسي المنتخب، "نيكولا ساركوزي"، قد مد فعلاً يد الصداقة إلى الولايات المتحدة بعد أن تعهد بإحداث تحول في العلاقات المتوترة التي سادت في عهد سلفه جاك شيراك، وحث مواطنيه على استلهام الحركية الاجتماعية وقيم العمل الموجودة في الولايات المتحدة، كما عبر عن فخره بلقب "ساركو الأميركي" الذي أطلق عليه. ويعكس هذا الميل الواضح الذي أبداه "ساركوزي" تجاه الولايات المتحدة مشاعر مماثلة عبرت عنها المستشارة الألمانية "أنجيلا ميركل" التي حرصت على التأكيد عقب تسلمها لمنصبها عام 2005 على توثيق العلاقات الألمانية- الأميركية. وبينما يحظى الرئيس بوش بتقدير متدنٍّ في العديد من العواصم العالمية، إلا أن قدرة القادة الجدد في "أوروبا القديمة" على تحقيق نجاحات في الانتخابات بالاستناد إلى برامج مؤيدة لأميركا تُظهر أن المشاعر المناهضة للولايات المتحدة ليست بتلك الحدة التي يصورها بعض المحللين، لاسيما في "اليسار" الأميركي. وتجتهد استطلاعات الرأي في الإجابة عن سؤال الأساسي حول سبب تراجع المكانة الأميركية في العالم، بحيث غالباً ما تتم الإشارة إلى إخفاق الحرب في العراق، والنموذج الاجتماعي المتشدد، فضلاً عن الغطرسة المتولدة عن وضع أميركا كقوة عالمية تتجاوز القانون الدولي. لكن بصرف النظر عن استطلاعات الرأي تلك مازال هناك رصيد معتبر من المشاعر الطيبة لدى الأجانب تجاه الولايات المتحدة التي يجدر توظيفها وكشف النقاب عنها. وفي هذا الإطار يتعين علينا تفكيك أربع أساطير ناتجة عن المشاعر المتأرجحة بين الود والكراهية التي تميز العلاقات عبر الأطلسية. وهكذا تشكل مقولة "الفرنسيون يكرهون الأميركيين" أساس الأسطورة الأولى دون أن يتوفر ما يكفي من الأدلة لدعم الفكرة الرائجة بأن الفوز في الانتخابات الأوروبية مقرون ببرنامج مُعادٍ لأميركا. فخلال الحملة الانتخابية الفرنسية كان "ساركوزي" محط سخرية من قبل خصومه في "اليسار" الذين اعتبروه "محافظاً جديداً أميركياً يحمل جواز سفر فرنسياً". وادعى منتقدوه أنه يسعى إلى تفكيك دولة الرعاية الفرنسية واستبدالها بنموذج "قانون الغاب" على الطراز الأميركي. لكن أغلب الناخبين تجاهلوا هذا الخطاب، بحيث استطاع "ساركوزي" من خلال دعمه للولايات المتحدة إقناع الرأي العام الفرنسي بأنه قادر على إخراج بلده من حالة التباطؤ الاقتصادي، التي يشهدها وإعادته مجدداً إلى العمل. وفي ألمانيا حيث تصاعدت المشاعر المناهضة لأميركا في السنوات الأخيرة لم تتأثر "أنجيلا ميركل" بسبب سياستها المؤيدة لواشنطن، بل زادت شعبيتها لدى الرأي العام الألماني حتى بعد زياراتها المتعددة إلى الولايات المتحدة. ورغم أن المستشار الألماني السابق "جيرهاد شرودر" سعى إلى تعبئة الحزب "الديمقراطي" و"اليساريين" خلال حملته الانتخابية وركز على توجيه انتقادات حادة إلى الولايات المتحدة تخص الحرب في العراق، إلا أن حيلته الانتخابية فشلت في إقناع الألمان بأن مناهضة أميركا هي الحل الأمثل لمشاكلهم الداخلية. وحتى في بريطانيا التي تلطَّخت فيها صورة أميركا بسبب الحرب في العراق، ما أثر سلباً على سمعة رئيس الوزراء "توني بلير"، فإنه لا يوجد ما يشير إلى أن تغييراً جوهرياً سيلحق بعلاقة لندن بواشنطن مع قدوم خليفته "جوردون براون". ونصل هنا إلى الأسطورة الثانية في العلاقات عبر الأطلسية والقائمة على احتقار الأوروبيين لأسلوب الحياة الأميركي. هذه المقولة التي يفندها الإقبال المتنامي من قبل الشباب الأوروبي على الدراسة والعمل في أميركا. فليس خافياً ما تشهده فرنسا وألمانيا من هجرة مكثفة لألمع مواهبهما إلى الولايات المتحدة للعمل في مجال التكنولوجيا المتطورة. فقد هاجر أكثر من 80 ألف شاب فرنسي إلى "وادي السليكون" في كاليفورنيا لما يعرف به الفرنسيون من تفوق في الرياضيات. وعندما تحدثت في السنة الماضية مع خمسين من الطلبة الألمان الذين يدرسون في معهد تكنولوجيا المعلومات بجامعة "هارفارد" لم يبدِ أي واحد منهم استعداده للرجوع إلى وطنه، حيث عبَّر جلهم عن رغبة في العيش والعمل في أميركا، حيث الفرص متوفرة بكثرة. وقد اشتكى الطلبة الذين قابلتهم من دولة الرعاية في أوروبا التي تعاقب الذين يكدُّون في العمل، بينما تكافئ غير المجتهدين، لذا يفر هؤلاء الطلبة من الأعباء الضريبية الملقاة على عواتقهم في بلدانهم ويفضلون الفرص التي توفرها الولايات المتحدة. وفي هذا السياق بدأ القادة الأوروبيون يستفيقون على واقع انخفاض معدل الولادات، وانحسار القوة العاملة وصعوبة الاستمرار في الإنفاق على الامتيازات الاجتماعية مثل الرعاية الصحية وتوفير المعاشات في سن مبكرة تصل إلى الخمسين، فضلاً عن أيام العطل الكثيرة المدفوعة الأجر، والتي قد تصل إلى تسعة أسابيع في السنة. ويبدو أن القادة الأوروبيين بصدد اكتشاف أفضل السبل المعمول بها في الولايات المتحدة والكفيلة بإذكاء جذوة روح العمل والمقاولة وإخراج المواطنين من لوائح الامتيازات التي تمنحها الدولة. ويسعى الأوروبيون أيضاً إلى الاستفادة من النموذج الأميركي في مجال التعامل مع التعددية في ظل الصعوبات التي تواجهها الدول الأوروبية لإدماج المهاجرين من تركيا وشمال أفريقيا. وفي الوقت الذي كان فيه الأوروبيون يعيبون على أميركا تطبيق "التمييز الإيجابي" لإدماج الأقليات، ها هم اليوم يستلهمون النموذج الأميركي في التعامل مع أقلياتهم الدينية والعرقية. الأسطورة الثالثة التي حان الوقت لتفكيكها هي تلك المرتبطة بتراجع أهمية "أوروبا القديمة" في ظل صعود الصين والهند. فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ذهب البعض إلى أن أوروبا قد خسرت مكانتها السابقة على المسرح الدولي، وهو أمر غير صحيح، حيث مازالت الولايات المتحدة وأوروبا تلعبان معاً دور المحرك الأساسي للاقتصاد العالمي من خلال مساهمتهما بنحو 60% من التجارة والاستثمارات العالمية. أما الأسطورة الرابعة والأخيرة، فهي ما يروِّج له البعض من أن الأوروبيين يفضلون "الديمقراطيين" أكثر من غيرهم. والواقع أنه رغم عدم التحمس الذي يبديه أغلب الأوروبيين تجاه جورج بوش، فإنهم في الوقت نفسه لا يريدون الرجوع إلى حقبة التواضع المبالغ فيه الذي تميزت به أميركا في عهد "جيمي كارتر"، أو بداية عهد "بيل كلينتون" والذي قاد إلى ارتكاب المجازر في منطقة البلقان على مرأى ومسمع من أميركا وأوروبا. ويليام دروزدياك رئيس "المركز الأميركي المعني بألمانيا" ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"