بعد مرور أيام على الصدامات العنيفة التي أسفرت عن سقوط 39 قتيلاً في مدينة كراتشي الباكستانية يرى المراقبون أن أعمال العنف مرفوقة باتهامات وجهت للحكومة بعدم التدخل لوقف الصدامات، قد زادت من حدة الضغوط على الرئيس "برويز مشرف". فقد ذكرت تقارير إخبارية أنه رغم تواجد القوات الحكومية في المدينة المطلة على الساحل الجنوبي للبلاد، فإنها لم تقم بما يلزم للتفريق بين الجماعات المؤيدة للحكومة والأخرى المناوئة لها، التي انخرطت في اشتباكات مسلحة. وفي هذا السياق أشارت صحيفة "الفجر" الناطقة باللغة الإنجليزية في كراتشي إلى أن القوات الحكومية "اختفت فجأة من أماكن الاضطرابات"، وآثرت الحكومة الباكستانية التزام الصمت تجاه هذه الاتهامات وعدم الرد عليها. غير أن حالة الاضطراب تلك التي شهدتها المدينة سرعان ما هدأت بعد تدخل القوات العسكرية، التي نزلت إلى شوارع كراتشي، المركز المالي للبلد، بالإضافة إلى تدخل قادة المحافظات الذين منعوا الاجتماعات العامة. لكن ذلك لم يمنع من سقوط ثلاثة قتلى آخرين في مواجهات متفرقة، حسبما أفاد مستشفى المدينة. الصدامات الدامية التي اندلعت في المدينة سببها الزيارة التي قام بها يوم السبت الماضي كبير القضاة في المحكمة العليا "افتخار محمد شودري" إلى كراتشي لإلقاء خطاب أمام جمعية المحامين. يذكر أن الرئيس "برويز مشرف" سبق أن أوقف "شودري" عن العمل بسبب انتقاداته الشديدة للحكومة، ما أدى وقتها إلى خروج المحامين في مظاهرات سلمية احتجاجاً على قرار الرئيس، ومتهمين الحكومة بتقويض استقلال القضاء. وكان "برويز مشرف" قد وجه تهماً إلى كبير القضاة تتعلق بسوء استخدام السلطة والمحسوبية، وهو ما ينكره بشدة القاضي "شودري". ويرى المراقبون أن أعمال العنف الخطيرة التي شهدتها المدينة تفاقم من الأزمة السياسية الناجمة عن إقالة "شودري" وتزيد من إضعاف الرئيس "بروزيز مشرف". الدكتور "رسول باكش رايس"، رئيس كلية العلوم السياسية بجامعة "لاهور" يقول في هذا الإطار "أعتقد أن برويز قد دمر نفسه"، مضيفاً "إن الأحداث انطوت على تناقض صارخ، إذ في الوقت الذي كان فيه الشبان يسقطون أمام الكاميرات في كراتشي، كان البعض الآخر يرقص ويقرع الطبول أمام مقر البرلمان"، محيلاً إلى التظاهرة التي نظمها الحلفاء السياسيون للرئيس "برويز مشرف" في العاصمة إسلام أباد يوم السبت الماضي. وتساءلت صحيفة "ديلي تايمز"، إحدى الصحف المهمة بمدينة لاهور في افتتاحيتها ليوم الأحد الماضي قائلة "إن ثمة تساؤلاً حقيقياً مؤداه: ما هو الطريق الذي سيسلكه الجنرال مشرف؟"، مضيفة "إن احتمال تصحيح الوضع الناشئ عن إقالة كبير القضاة في المحكمة العليا أصبح بعيداً اليوم بعدما قطعت الحكومة أشواطاً في مسارها التصعيدي". وليست هذه هي المرة الأولى التي تشهد فيها مدينة كراتشي مواجهات عنيفة بين الفصائل السياسية المختلفة، لاسيما في أوقات الحملات الانتخابية. وقد دارت الصدامات الأخيرة بين الجماعات المسلحة المساندة للحكومة والمعروفة باسم "حركة متحدة قومي" التي تسيطر على كراتشي، وبين الأحزاب السياسية المعارضة لمشرف. وقد تبادل الطرفان معاً، القوى المؤيدة للحكومة والمعارضة المدافعة عن كبير القضاة "شودري"، الاتهامات بشأن مسؤولية اندلاع العنف الذي اجتاح المدينة في نهاية الأسبوع الماضي. وهكذا أنحى محامو "شودري" في مؤتمر صحفي عقد يوم السبت الماضي في إسلام أباد باللائمة على الحكومة الفيدرالية والقوى السياسية المتحالفة معها وحمَّلوها مسؤولية المواجهات الدموية بعدما سعت القوات المؤيدة للحكومة إلى عرقلة خطاب كان من المقرر أي يدلي به "شودري" أمام جمعية المحامين. وقد صرح "منير مالك"، أحد محامي "شودري" قائلاً "لم يتعرض عمود كهربائي واحد للتخريب خلال الخطب السابقة"، محيلاً إلى الزيارات الأخرى التي قام بها "شودري" إلى المناطق المختلفة للبلاد. وقال "منير مالك" أيضاً إن كبير القضاة تعرض للدفع من قبل المسؤولين الحكوميين لدى وصوله إلى مطار كراتشي، متهماً الحكومة بمحاولة "اختطافه" عبر اقتياده إلى طائرة مروحية تابعة للحكومة، إلا أن أنصار "شودري" أحاطوا به وأوقفوا المحاولة حسب المحامي "منير مالك". لكن الجنرال المتقاعد "غلام محمد مهاتريم"، ووزير داخلية محافظة السند، نفى تلك الاتهامات، مؤكداً أن كبير القضاة "لم يُوقف، بل تم إرشاده" إلى المطار، حسبما أفادت تقارير إعلامية محلية. ومن جانبهم حمَّل قادة "حركة متحدة قومي" المساندة للحكومة في مؤتمر صحفي بكراتشي مسؤولية العنف الذي اندلع في المدينة للأحزاب السياسية المعارضة في باكستان مثل "حزب الشعب"، و"عصبة مسلمي باكستان"، و"الجماعة الإسلامية"، وحزب "عوامي الوطني"، ثم "الحزب السُّني". وقد أفادت التقارير الإخبارية أن القتلى الثلاثة الذين سقطوا يوم الأحد الماضي، قد تعرضوا لأعيرة نارية خلال المواجهات المتفرقة التي شهدتها مدينة كراتشي. وتقول بعض التقارير إن أحد القتلى سقط بنيران الشرطة، التي كانت تسعى إلى تفريق المتظاهرين، لكن السلطات الأمنية تنفي ذلك ملقية باللائمة على المسلحين المنتمين إلى القوى السياسية المختلفة. يُشار إلى أن "شودري" عندما كان في منصبه على رأس المحكمة العليا وافق على الاستماع إلى قضايا تتعلق بـ"الاختفاء القسري" للذين تعتقد عائلاتهم أن أجهزة الاستخبارات مسؤولة عن اختفائهم. والأهم من ذلك أن المحكمة العليا كانت تستعد للبت في قضايا سياسية ترتبط بمدى شرعية جمع "مشرف" بين منصبي القائد الأعلى للجيش ورئيس البلاد في وقت واحد. سلمان مسعود مراسل "نيويورك تايمز" في باكستان ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"