اقترب فصل الربيع من هذه السهول الشاسعة التي تمتد عبر ولاية كولورادو الأميركية، ومع ذلك لا يعرف "جو بيسوتا" كيف سيؤمن العمال المزارعين لمساعدته على جمع محصوله لهذه السنة. فمنذ أن أعلن المشرِّعون في الولاية حربهم الضروس ضد المهاجرين غير الشرعيين في العام الماضي والمزارعون يتخوفون من تناقص العمال الموسميين الذين كانوا يأتون للعمل في المزارع ويشكلون نصف العمالة في المنطقة، بسبب خوفهم من الملاحقة. ورغم تقاطر بضعة عشرات من العمال المكسيكيين الذين يرغبون في العمل قبل أسبوعين على مكتب "بيسوتا"، فإنه ليس متأكداً من أن آخرين سيتبعونهم، لاسيما في ظل الحاجة الماسة للمنطقة إلى مزيد من اليد العاملة. وسعياً من أصحاب المزارع لإيجاد حلول لمشكلة العمالة النادرة قرر "بيسوتا"، إلى جانب باقي المزارعين، الاشتراك في برنامج أحدثته "إدارة المؤسسات الإصلاحية" في ولاية كولورادو لتزويد المزارعين بمجموعة من السجناء النساء، اللواتي لا يتطلبن حراسة مشددة للعمل لديهم في الحقول. ومن الطبيعي أن يستقطب هذا البرنامج اهتمام وسائل الإعلام ليس فقط داخل الولاية، بل في جميع أنحاء البلاد. لكن الاهتمام ذاته لم ينصب على مسألة توفير يد عاملة من داخل المؤسسة السجنية، بقدر ما ارتكز الاهتمام على المساواة بين العمال غير القانونيين وبين المواطنين الأميركيين، الذين يقضون فترات من السجن وتجريدهم من حقوقهم. وإذا كان عدد كبير من المواطنين الأميركيين عكفوا طيلة الفترة السابقة على إقناعنا بأن عبور الحدود الأميركية بطريقة غير شرعية من قبل المكسيكيين وغيرهم هو بمثابة جريمة يعاقب عليها القانون، فإن لجوء المزارعين في كولورادو إلى السجناء لتلبية الطلب المتزايد على العمالة يسلط الضوء على سبب تفضيل أصحاب المزارع للمهاجرين السريين للعمل لديهم. فهؤلاء أرخص من العمالة الأميركية، ويمكن الاعتماد عليهم لفترات قصيرة، ثم تسريحهم، والأهم من ذلك أنهم من دون حقوق. وبالنسبة "لبيسوتا"، المزارع في "كولورادو" الذي يعاني من ندرة العمال، فقد أوضح منذ البداية أنه يفضل المهاجرين الذين ولدوا في الخارج على العمال من السجناء، أو أبناء البلد. يذكر أن المهاجرين يأتون من المكسيك ويعبرون الحدود الأميركية للعمل في مزارع كولورادو وتكساس ونيومكسيكو من شهر مايو إلى غاية نهاية الخريف. وهو الأمر الذي يروق للعمال، بحيث يستطيعون العودة مجدداً إلى بلدانهم لقضاء فصل الشتاء مع عائلاتهم، كما يناسب المزارعين الذين ليسوا في حاجة إلى دفع أجور العمال أثناء فترة غيابهم. وعلى الرغم من أن أغلب المزارع المتوسطة التي تديرها العائلات كتلك التي يمتلكها "بيسوتا"، تعتمد على الآلات في جني المحصول، وبالتالي يبقى العمل فيها خفيفاً نسبياً، فإنه لا مناص من العمالة البشرية التي وحدها تستطيع التمييز بين الثمار الناضجة، وتلك التي لم تنضج. لذا سيكون "بيسوتا" بحاجة إلى ما بين 12 إلى 13 عاملاً لاقتلاع محصول البصل الذي زرع في شهر مارس الماضي، ولزرع محصول الموسم القادم من البطيخ. لكن الحاجة الماسة للعمال تظهر أكثر خلال موسم الحصاد في فصل الخريف، حيث تتطلب بعض أنواع المحاصيل الاعتماد على الجني اليدوي مثل البطيخ واليقطين. فكما يقول "لبيسوتا": "لا تستطيع الآلة اختيار أفضل الثمار وعزلها لوحدها". وقد تعرض "بيسوتا" ومعه باقي المزارعين الذين انخرطوا في البرنامج الحكومي في الولاية والرامي إلى الاستفادة من السجناء للعمل في المزارع إلى انتقادات حادة، خاصة من قبل "الليبراليين"، الذين اعتبروا لجوء المزارعين إلى السجناء نوعاً من السخرة، رغم أن السجناء يتلقون أجوراً، ويكلفون في نهاية المطاف أكثر من العمال المهاجرين. واللافت أن برنامج تشغيل السجناء في الحقول والمزارع مقابل أجر محدد لتلبية الطلب المتزايد على العمالة هو من بنات أفكار المشرعة "الديمقراطية" في كولورادو "دوروثي بوتشر" الموظفة السابقة في شركة للهواتف. وبكثير من الأسى، تتذكر المشرعة "الديمقراطية" النقاش الذي دار في الجمعية العامة بالولاية وتميز بنبرته العنصرية ضد المهاجرين غير الشرعيين، وهو النقاش الذي قاد إلى فرض تشريعات صارمة تقضي بتكثيف مراقبة الحدود. وعبرت "دوروثي بوتشر" عن ذلك بقولها: "كان من الصعب تحمل الكلام، الذي دار في النقاش، إنهم يعاملون المكسيكيين كما لو أنهم حيوانات". ومع ذلك لم يكن أمام المشرعة "الديمقراطية" من خيار آخر سوى استبدال هؤلاء العمال المهاجرين، الذين تعاطفت مع قضيتهم، بالعمال السجناء لأنه يتعين عليها إيجاد حل سريع لمشكلة العمالة. وقد أوضحت ذلك بقولها: "إن الأمر متعلق بالاقتصاد... فماذا تريدني أن أفعل، إذ لا يمكنني ترك المزارع تجف في انتظار عمال لن يأتوا". ولأن "دوروثي بوتشر" ولدت ونشأت في الولاية، فهي كانت على علم بأن السجناء يساهمون في زرع المحاصيل التابعة للسجن، لذا قررت الاستعانة بخبراتهم وإرسالهم للعمل في المزارع مقابل أجر يحصلون عليه. وإذا ما قدر لهذا البرنامج النجاح في كولورادو فقد تعمم تجربته في باقي أنحاء البلاد. ومع أن المزارعين ينظرون بتفاؤل إلى برنامج الولاية، إلا أنهم يفضلون العمال المهاجرين. وهم لهذا السبب ينتظرون بفارغ الصبر إقرار الكونجرس لبرنامج "العمال الضيوف" الذي اقترحه بوش. وبخصوص هذا البرنامج يقول "بيسوتا": "كل ما سأقوم به هو الاتصال بالحكومة ومطالبتهم بتوفير 15 عاملاً من شهر مايو إلى شهر أكتوبر، وعندما أفرغ منهم سأسرِّحهم". جريجوري رودريجيز كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"