إنني سعيد بمواصلة "الديمقراطيين" في الكونجرس، ضغوطهم على الرئيس جورج بوش، فيما يتعلق بتحديد جدول زمني واضح لبدء انسحاب قواتنا من العراق. فذلك هو الطريق الوحيد والأمثل لتوجيه اهتمام بوش والعراقيين على حد سواء، إلى نهاية اللعبة. غير أن "الديمقراطيين" إن شاءوا حقاً أن تُحمل سياساتهم الخارجية على محمل الجد، عليهم الاعتراف الصريح بأنهم لم يقطعوا سوى نصف المسافة السياسية المؤدية إلى العراق فحسب، وأنهم لم يقطعوا إلا النصف السهل الميسور فحسب من ذلك الطريق. ذلك أنه يتعذر عليهم الانحياز وإبداء الحماس لتحديد جدول زمني واضح لبدء انسحابنا من العراق، دون أن يقابل ذلك انحياز وحماس مماثلان لسياسة إجراء خفض جذري إلى درجة اعتمادنا على منتجات النفط والطاقة الأحفورية. ويجدر القول أيضاً إن الدعوة للانسحاب من العراق، وفقاً للجدول الزمني المحدد، وبصرف النظر عن الوضع الفعلي على الأرض، ودون أن توازي هذه الدعوة، صيحة مماثلة لتبني سياسات طاقة بديلة للمعمول بها حالياً... فيها كثير من الشطط وانعدام المسؤولية. وعندها لن يكون كل الذي فعلناه أكثر من زيادة الاعتماد على النفط، ومن ثم على الشرق الأوسط، لكوننا ندرك جميعاً أنه قد تكون لأي انسحاب أميركي من العراق، تداعياته وردود أفعاله الكارثية القصيرة الأمد، على استقرار المنطقة وأمنها. والحقيقة أن هذه المنطقة تعصف بها الاضطرابات العميقة المزلزلة اليوم. وفيما لو قررنا الاعتراف بفشل الجهود التي بذلناها في سبيل تغيير مسار المنطقة نحو الأفضل، وذلك ببناء عراق جديد ديمقراطي ولائق، فإن علينا في الوقت ذاته، أن نبدأ جهود مكافحة إدماننا لنفطها ومنتجاتها من الطاقة الأحفورية. والذي أقصده هنا هو أن يكون آخر ما يمكن أن نفعله في هذا الصدد، الانسحاب العسكري من المنطقة، في مقابل استمرار التصاقنا الوثيق بها اقتصادياً بحبل النفط السري! والأكثر أهمية من ذلك، هو أن الخطة "ب" الناجعة التي يمكن التعويل عليها حقاً، هي تبنّي سياسات طاقة أميركية جديدة، قادرة على إحداث خفض ملحوظ وكبير في أسعار النفط العالمي، عن طريق زيادة الاستثمار وتطوير موارد الطاقة البديلة المتجددة، القادرة على خوض التنافس التجاري في الأسواق المحلية والعالمية، فيما لو باءت جهودنا المبذولة الآن في العراق بالفشل التام، وفيما لو استمرت قناعتنا بأن من مصلحة بلادنا، إحداث إصلاح سياسي اقتصادي في منطقة الشرق الأوسط. ذلك أن السبيل الوحيد لحدوث أي إصلاح سياسي في هذه المنطقة العربية المسلمة، هو حين تفقد الأنظمة الحاكمة قدرتها على البقاء اعتماداً على استخراج وتكرير النفط وحده، وحين يصبح لزاماً عليها استخراج درر ومواهب شعوبها وحفز طاقتها الإبداعية، عن طريق مزيد من الاستثمار في تعليم هذه الشعوب وتأهيلها وربطها بعضها مع بعض آخر. ولكي نسرّع خطوات هذا التغيير، فإنه ينبغي لـ"الديمقراطيين" إبداء قدر أكبر من الجدية إزاء سياساتهم المتعلقة بالطاقة. وكما نعلم فإن للجميع سياسات طاقة خاصة بالعام 2020. لكن الذي نريده حقاً، وعلى جناح السرعة، هو سياسات طاقة خاصة بالعام الحالي 2007، حتى يكون لها أثرها الواضح على العام المقبل 2008. على أنه ليس ثمة سوى سبيلين لتحقيق هذه الغاية: إما أن نفرض ضريبة إضافية على أسعار الجازولين، تصل إلى 50 سنتاً عن الجالون، أو أن نحدد سعراً ثابتاً لبرميل النفط المستورد إلى الولايات المتحدة، بحيث لا يتعدى الـ50 دولاراً. وما أن يدرك المديرون والمستثمرون أن انخفاض أسعار النفط لن يقوض مصالحهم مطلقاً مرة أخرى، حتى يعم الانفجار الهائل ساحة الإبداع التقني المتصل بمصادر الطاقة المتجددة البديلة. وعلى حد قول فيليب فيرليجر، خبير اقتصاديات النفط المعروف: "فإننا نواصل البحث عن حلول لكافة مواضع الأخطاء والزلل. والسبيل الوحيد للتصحيح وإحداث طفرة واضحة إلى الأمام، هو رفع سعر الوقود في محطات التوزيع، والحفاظ عليه مرتفعاً دائماً". ويمضي فيرليجر مستطرداً القول: "إنه بالإمكان إعادة شراء بعض السيارات عديمة الكفاءة المستعملة في طرقنا اليوم، مستخدمين في ذلك الفائض من عائدات مشتريات الوقود تلك. وفي اعتقادي الشخصي أن أفضل صرح تذكاري نقيمه لهجمات الحادي عشر من سبتمبر على بلادنا، هو نصب جبل شاهق من السيارات "الشافطة" للوقود والعديمة الكفاءة في الاستهلاك". وهناك من المؤشرات ما يحمل على التفاؤل والأمل في هذا الشأن. فها هو المرشح الرئاسي "كريس دود"، وقد أصبح أول مرشح رئاسي أميركي، يحمل هذه القضايا على محمل الجد، ويعلن عن اعتزامه شق طريق جديد فيها، يقوم على تبني سياسات طاقة شاملة، تتضمن فيما تتضمن، إشارة واضحة لكلمة "ضريبة الوقود". وقد دعا كريس إلى فرض تعريفة ضريبية موحدة، من شأنها مكافحة انبعاث الغازات المسببة للإحماء الشامل، في ذات الوقت الذي تعمل فيه على خفض أسعار الوقود الأحفوري. ثم هناك المواجهة الصريحة التي دارت بين المرشح الرئاسي "باراك أوباما" وصناعة السيارات في ولاية "ديترويت"، خلال زيارته الأخيرة إلى مدينة "موتاون". فهناك قال أوباما في وجه صانعي السيارات الأميركية: في حين أمضى المستثمرون الأجانب السنوات الماضية في تطوير السيارات عالية الكفاءة في استهلاك الوقود، أمضى صانعو السيارات الأميركية المدة نفسها في صناعة السيارات الأسرع والأكبر حجماً. وما أن تبرز أي محاولة لجعل سياراتنا أكثر كفاءة، حتى تخوض صناعة السيارات الأميركية أشرس معاركها للحيلولة دون حدوث أي إصلاح في هذه الصناعة. ثم أخيراً وفي خطوة جريئة شبيهة، أعلنت شركة "جنرال موتورز" انضمامها لمجموعة شركات أميركية كبرى، في "شراكة التغير المناخي" الأميركية. هذا وتعطي مثل هذه الخطوات "الديمقراطيين" فرصة لتخطيط سياسات أفضل لكيفية انسحابنا من العراق. ـــــــــــــــــــــ كاتب ومحلل سياسي أميركي ـــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"