من المفارقات العجيبة في السنة الخامسة من حرب العراق النازفة التي باتت تفرض نفسها على جميع الأصعدة، في واشنطن وفي زيارات تشيني ورايس من الطرف الأميركي، والطالباني والربيعي ومؤتمرات بغداد وشرم الشيخ وما قبلها، أن نصل إلى هذه المعادلة المؤسفة حيث ثمة شبه إجماع من قبل المسؤولين في الحكومتين الأميركية والعراقية ودول الجوار أن بقاء أميركا في العراق قد يكون سيئاً ولا يساعد على تقديم حلول لإنهاء ذلك النزيف، فيما سيحول الانسحاب الأميركي العراق والمنطقة بأسرها إلى كرة ملتهبة من الفوضى وعدم الاستقرار، وهو ما يلح عليه الكونجرس الأميركي بأغلبيته من "الديمقراطيين" الذين مرروا مشروع قرار ثانٍ يربط تمويل الحرب بالنظر في مدى التزام العراقيين بالإصلاحات السياسية المقترحة، ومدى نجاح الاستراتيجية الأميركية العسكرية في العراق بالنظر إلى ما يقوله القادة العسكريون. والملفت جداً هنا هو تطابق رؤى أغلبية أعضاء السلطتين التشريعية في واشنطن وبغداد حول جدولة الانسحاب العسكري، فيما تتطابق رؤى الإدارة الأميركية وحكومة المالكي حول الحاجة لبقاء القوات الأميركية، ولكل طرف مصالحه وأهدافه. فيما ترى أغلبية الشعب العراقي سُنة وشيعة أن الوجود الأميركي احتلال وتطالب برحيل المحتل. وفي الوقت الذي قدم 144 عضواً في البرلمان العراقي مشروع قرار بجدولة الانسحاب العسكري الأميركي من العراق كان الكونجرس الأميركي قد مرر مشروع قراره الثاني خلال أسبوعين باشتراط تمويل القوات في العراق بجدولة الانسحاب، وهو ما نقضه الرئيس بوش ويهدد بنقض المشروع الجديد لأنه لا يؤمن بجداول مصطنعة تقيد تحركات القوات المسلحة في العراق وتعطي نصراً للمتطرفين على حد قوله. فيما شعبيته هو تستمر في التراجع إلى الحضيض حيث وصلت إلى مستويات متدنية تذكّر بتردي شعبية الرئيس نيكسون بعد فضيحة "ووترغييت" وكارتر بعد فشل عملية إنقاذ الرهائن الأميركيين في عام 1980. بوش محاصر الآن إلى درجة أن الشأن العراقي يتعقبه ويؤرقه حتى عندما ذهب قبل أيام ليلقي كلمة في حفل تخرج بكلية صغيرة في ولاية بنسلفانيا. وفي الوقت الذي رفض رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الحديث عن انسحاب القوات الأميركية في مؤتمري العهد الدولي حول العراق، ودول جوار العراق، اللذين عقدا في شرم الشيخ، وهو المحاصر من داخل تحالفه الذي بدأ يتفكك أمام عينيه بانسحاب "حزب الفضيلة" وتعليق عضوية نواب التيار الصدري وهما من الأطراف الشيعية التي تشكل أكبر تحالف في البرلمان العراقي، في نفس الوقت يهدد نائب الرئيس العراقي السُّني طارق الهاشمي بسحب نوابه ووزراء كتلة "التوافق" السُّنية من الحكومة ما لم يستجب المالكي لمطالبهم ويبدأ برنامج المصالحة الوطنية. وفي هذه الأثناء الحافلة بالتجاذبات كان الرئيس العراقي جلال الطالباني يطالب لندن ببقاء القوات الدولية في العراق لمدة سنتين، فيما مستشار الأمن القومي العراقي موفق الربيعي يجول بين قادة الكونجرس من الحزب "الديمقراطي" المطالبين بجدولة الانسحاب، ويُحذر من أن الانسحاب يعني خسارة كل شيء، وأن العراق بحاجة للعمل على ساعة وتوقيت بغداد وليس على ساعة وتوقيت واشنطن. إن ثمة أكثر من مؤشر على تنامي استياء واشنطن من بطء التحرك العراقي في مجالات الإصلاحات السياسية المقترحة والتي أشار إليها المالكي في يونيو الماضي ضمن 24 نقطة في برنامج الإصلاحات، والتي لم يتحقق منها شيء يذكر. وما يثير غضب واشنطن هو عزم البرلمان العراقي بدء إجازته الصيفية لمدة شهرين قريباً فيما المشاريع وخاصة حول النفط وإعادة النظر في قانون اجتثاث البعث لا تزال عالقة وبدون أفق. والمفارقة هنا واضحة فواشنطن تريد نتائج بناء على توقيتها. وبغداد لا تستطيع أن تعمل على توقيت واشنطن. فأياً من التوقيتين يجب أن تكون له الأولوية لإيجاد حل لمأزق العراق؟ ومع انسداد الأفق في بغداد لا يمكننا توقع الكثير من الإنجازات لانتشال العراق من مستنقعه. وهكذا قد يضيع ويتشظى العراق بين ضغوط الوقت وصراع ساسة واشنطن من "ديمقراطيين" و"جمهوريين" وخلافات العراقيين سُنة وشيعة وأكراداً، فيما المطلوب –بكل بساطة- هو خريطة طريق جريئة ترسم طريقة إنقاذ حقيقية لعراق المستقبل، لا أكثر ولا أقل. ولعل لهذا مقالة أخرى.