نسبت إحدى الصحف المحلية الصادرة بالإنجليزية مؤخراً، إلى مَنْ وصفتهم بمصادر شرطية قولها، إن أحد رجال الشرطة الوافدين اتخذ من مسجد بإحدى إمارات الدولة مكاناً للنوم، وبررت مصادر الصحيفة ذلك، بأن راتب هؤلاء يتراوح بين 3200 و3400 درهم، بحيث لا يستطيعون تحمّل تكلفة إيجار مسكن للإقامة فيه، في ظل الارتفاع المتزايد في الإيجارات. وأشارت الصحيفة إلى أن عدداً من رجال الشرطة من مختلف الجنسيات، كانوا يقيمون من قبل في استراحات مجانية، وطلب منهم أن يخلوها كي تخصص لرجال أمن آخرين. بغضّ النظر عن الظروف والملابسات المحيطة بواقعة كهذه، فإن بلوغ هكذا مرحلة -إن صحّت بالفعل معلومات الصحيفة- يدقّ ناقوس خطر ينبغي الإصغاء إليه والتعاطي معه بمنتهى الجدية، لأن الأمر يتعلق برجال أوكلت إليهم مهمة حماية المجتمع والحفاظ على أمنه واستقراره، في حين أنهم، ومن خلال ما ترسمه هذه الواقعة تحديداً من مظاهر معاناة، يفتقرون إلى المتطلبات الأساسية للاضطلاع بدورهم المنشود على الوجه الأكمل. ماذا ننتظر من أداء رجل شرطة أو موظفٍ عام لا يجد مأوى مناسباً أو لا يشعر بالطمأنينة والأمان النفسي والاجتماعي؟ هذا التساؤل لا يعني بالضرورة التشكيك في النزاهة، والشفافية التي يتميز بها أفراد الشرطة، أو أنهم قابلون للخضوع لأي ابتزاز مهما كان حجمه ومصدره، فالثقة في النزاهة راسخة، واليقين بشفافية هذه الشريحة ثابت، ولكن ينبغي بالمقابل ألا نركن إلى ذلك، ولا ننظر في الظروف المعيشية والاحتياجات الأساسية لشريحة تضطلع بواحدة من المهام التي يرتكز عليها استقرار المجتمع بأسره. من الوارد أن يكون هناك قدر من المبالغة الصحفية في سرد، هكذا وقائع لتعميق الإحساس بالمعاناة الشخصية جرّاء ارتفاع معدلات التضخم وغلاء الأسعار، أو ربما تكون الرواية صحيحة بدرجة أو بأخرى، ولكنها ناجمة بالأساس عن سوء تصرف فردي، ولكن الحقيقة التي ينبغي الانتباه إليها في مجمل الأحوال، أن تدنّي الرواتب، ربما يدفع بعض الموظفين إلى ممارسات غير لائقة بدورهم المجتمعي، كما يمكن أن يفرز أيضاً ظواهر مجتمعية مستحدثة مثل تلك التي تحدثت عنها التقارير في فترات سابقة عن تفشي ظاهرة النوم في السيارات وغير ذلك. إنّ واقعةً بالشكل الذي تحدثت عنه الصحيفة تبدو لافتةً، ليس فقط لأنها تتحدث عن معاناة أحد رجال الشرطة، ولكن لأنها تحدث في دولة الإمارات التي يحظى الفرد فيها بأوضاع وظيفية ومعيشية متميزة بشهادة الواقع، وأيضاً بحكم المؤشرات الرقمية التي تعكس واقعاً حياتياً جيداً لمختلف شرائح المجتمع، وبالتالي تصبح هكذا وقائع مجرد حالات استثنائية ينبغي معالجتها بشكل فوري، فليس هناك حاجة إلى اجترار الحديث عن أبعاد غضّ الطرف عن مصادر معاناة رجال الشرطة، ولاسيما أن المسؤولين بالدولة يدركون تماماً هذه الأمور، وأثبت الواقع والتجارب غير مرّة، أن هناك تقديراً ملموساً لكل من يبذل الجهد في سبيل خدمة هذا الوطن، ورجال الشرطة ليسوا مطلقاً استثناء من هذه القاعدة، ولكن يبدو أن تسارع وتيرة الغلاء، وارتفاع معدلات التضخم، قد أفرزا مظاهر معاناة لم تكن ضمن نطاق دائرة التوقعات. ـــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.