نؤمن نحن الأميركيين وعلى نحو تلقائي بقوة التفكير الإيجابي وتأثيره على مسار الأحداث في حياتنا. فسواء كان المرء يصارع مرض السرطان، أم تمرداً، أم فقط يواجه مشكلة طارئة في العمل تبقى الحكمة السائدة هي التفكير الإيجابي، ليصبح سر النجاح الأول والأساسي. والحقيقة أن مفتاح النجاح يكمن، بالنسبة لي، في التفكير السلبي، بما يعنيه من بحث عن الفشل، وفي بعض الأحيان نفض الغبار عنه وكشفه أمام الملأ. وفي هذا الصدد يمكن الحديث عن مثال أثار الكثير من الخيبة في نفوسنا جميعاً مع الفضيحة التي عصفت مؤخراً بمستشفى "والتر ريد" العسكري. وتتمثل المشكلة في كيف يمكن لمركز صحي مسؤول عن المساعدة في إنقاذ حياة أكبر نسبة من جرحى الحرب في التاريخ، أن ينتهي به الأمر إلى هذا الإهمال في أداء مهماته وفي توفير الرعاية المناسبة للمرضى. الواقع أن الجنود الذين خضعوا للعلاج في المستشفى العسكري أشاروا إلى الرعاية الممتازة التي أحيطوا بها، ما ساهم في إنقاذ حياتهم في العديد من الحالات، رغم الجروح البليغة التي مست وظائف الأعضاء، أو الحروق التي وصلت نسبتها إلى 90% من الجسم، أو الضرر الذي لحق بالدماغ وكان من المستحيل في السابق علاجه. لكنهم أيضاً أشاروا إلى الجوانب الأخرى في ذات المستشفى، حيث الجنود الجالسون على الكراسي المتحركة لا يحصلون على الطعام الكافي، وحيث جرحى العمليات الدماغية حرموا من المساعدة بسبب عجزهم عن ملء الاستمارات بمفردهم. فما الذي يفسر هذا الوضع؟ لاسيما وأن التقرير الأخير، الذي أصدرته لجنة المراجعة والتقييم لم يعثر على أشخاص جيدين في قسم معين، وأشخاص سيئين في قسم آخر. كما أن الجنود ما فتئوا يكررون في شهاداتهم المرة تلو الأخرى التأكيد على الرعاية والتفاني اللذين لمسوهما لدى موظفي المستشفى، حيث وصف أحد الجنود الجرحى الموظفين بأنهم "كانوا ممتازين". لكن الأمر ببساطة أنه بينما نجح بعض الأشخاص الطيبين في أداء عملهم، فشل أشخاص طيبون آخرون في أداء مهامهم. فقد كشف التقرير أن مستشفى "والتر ريد" كان واقعاً تحت ضغوط كبيرة تتعلق بإعلان خطط لإغلاقه خلال أربع سنوات، فضلاً عن توجيهات بخصخصة بعض خدماته. لكن الضغوط تنطبق أيضاً على الأقسام الأخرى من المستشفى التي قامت بعمل جيد دون أن يتأثر أداؤها بتلك الضغوط. بيد أن الفرق الجوهري يكمن في مدى تقبل القادة لقيم التفكير السلبي في سبر نقاط الضعف وتعريتها دون الركون إلى النظرة المغرقة في التفاؤل الخادع. ولننظر مثلاً إلى الطريقة التي اتبعها مستشفى "والتر ريد" لخفض نسبة الوفيات في صفوف الجرحى من الجنود التي كانت خلال حرب الخليج الأولى تصل إلى 20%، بينما انخفضت اليوم نسبة الوفيات إلى أقل من 10%. فما الذي حدث؟ لم تتغير أساليب العلاج والعناية الطبية التي ظلت على حالها، ولم يأتِ موظفون جدد، بل بالعكس تقلص العدد. لكن التغير كان في متابعة البيانات الأسبوعية عن الجرحى ومعدلات النجاة، وانكباب الأطباء على البحث عن مكامن الخلل والسعي إلى التغلب عليها. لم تترك الأمور على عواهنها، حتى ولو كانت مجرد تفاصيل قد تبدو غير مهمة. لذا ذهلت عندما قمت بزيارة مع زملاء لي إلى مستشفى "والتر ريد" في بداية الحرب على العراق، ولمست اهتماماً كبيراً بجمع الإحصاءات المتعلقة بإصابات العيون. فبدلاً من شعور الأطباء بالفخر لأنهم ينقذون الجنود من العمى، كانوا يطرحون أسئلة أكثر تفصيلاً، وفي بعض الأحيان أكثر إثارة للإزعاج من قبيل: لماذا هذا العدد الكبير من إصابات العيون؟ وما لبثوا أن اكتشفوا أن الجنود لم يكونوا يضعون النظارات الوقائية، ورُفع تقرير إلى القيادة العسكرية التي زودت الجنود بالمعدات الضرورية فانخفضت نسبة إصابات العيون. وبتشجيع من قيادتهم على التفكير السلبي انطلق الموظفون الطبيون لكشف المزيد من مواطن الخلل وراحوا يطرحون الأسئلة بخصوص نظام نقل الجنود الجرحى إلى المستشفى، ومدى توفرهم على معدات الاتصال والسترات الواقية من الرصاص وغيرها من التفاصيل التي جعلتهم ينقذون حياة العديد من الجنود حتى من دون أن يعرفوهم. لكن خلافاً لهذه المقاربة التي تتعقب التفاصيل، ولا تتردد في طرح الأسئلة كشف التقرير المستقل عن غياب أية جهود لمتابعة الجنود الجرحى أثناء فترة النقاهة، حيث لم يكلف أحد نفسه عناء اكتشاف الأخطاء ومعالجتها. والنتيجة هي تراكم الفشل، رغم مظاهره المتعددة والواضحة للجميع، وهو ما اتفقت عليه كل من صحيفة "واشنطن بوست" التي كشفت الموضوع برمته، وما كشفه تقرير اللجنة المستقلة من وجود رعاية صحية بيروقراطية وغير منظمة تنطوي على ثغرات كبيرة، فضلاً عن الظروف المعيشية المتردية والنقض الذريع في عدد الموظفين. وفي رده على الفضيحة قال رئيس المستشفى اللواء "كيفين كيلي" تعقيباً على الأحداث "إنه مجرد جانب من الصورة، إذ رغم بعض المشاكل التي نواجهها، تظل الأمور بعيدة عن الصورة السيئة والكارثية التي يحاول البعض إظهارها". وبالطبع لم تكن تصريحات المسؤول السابق عن المستشفى سوى محاولة أخرى للتفكير الإيجابي التي تداري الفشل ولا ترى من الكأس إلا نصفها الممتلئ. وإذا كان التفكير السلبي يجعل الفرد دائم الاستياء من أدائه وكثير الشك في النتائج، فإن ذلك هو بالضبط ما نحتاجه لضمان عدم تكرار تجربة "والتر ريد"، والطريقة المخزية التي عالجنا بها الجنود المصابين في الحرب. أتول جواند ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ جراح عام في كلية الطب بجامعة هارفارد، وعضو هيئة تحرير "نيويورك تايمز" ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"