في أعقاب الصدمة التي تلقاها "إيهود أولمرت" رئيس الوزراء الإسرائيلي، بصدور تقرير لجنة "فينوجراد"، حول التقصير السياسي والأمني خلال الحرب الأخيرة على لبنان، وقع التحول في الرأي العام الإسرائيلي ضد الرجل، وكشفت استطلاعات الرأي عن تدني ثقة الجمهور في أدائه. في الأيام الماضية، ورغم نجاح "أولمرت" في الحفاظ على ثبات حكومته وإفشال اقتراحات سحب الثقة منها في "الكنيست"، بدأت تلوح في الأفق ملامح المواجهة السياسية الآخذة في التبلور، التي اعتقد أنها ستنحي "أولمرت" من الصورة خلال عام على الأكثر. ذلك أن الرأي العام الإسرائيلي الذي يتمسك بصورة إسرائيل المتفوقة عسكرياً والقادرة على حسم المعارك العسكرية على كافة الجبهات العربية بأقل التكاليف، لن يسمح لـ"أولمرت" المتهم بالتقصير السياسي الفادح أن يستمر طويلاً في قيادة الدولة. ومن هنا ستتدافع التفاعلات في مدى زمني لا يتجاوز العام لتزيح الرجل من الواجهة خاصة مع ظهور التقرير النهائي للجنة "فينوجراد" والمتوقع خلال عدة شهور، والذي سيضع النقاط على الحروف بشكل نهائي حول مسؤوليات التقصير. يمكننا أن نلمح من الآن تبلور المنافسة الجديدة على رئاسة الحكومة في أي انتخابات مبكرة مقبلة في عدة شخصيات مرجحة تمثل الأحزاب الثلاثة الكبرى "كاديما" و"العمل" و"الليكود". الشخصية الوحيدة التي يبدو حظها اليوم مؤكداً في المنافسة هو بنيامين نتانياهو الذي يقود "الليكود" دون منازع، والذي أسفرت استطلاعات الرأي الأخيرة بعد تقرير القاضي "فينوجراد"، عن ميل جماهيري لمنحه فرصة قيادة البلاد بأغلبية سبعة وثلاثين مقعداً في "الكنيست" إذا ما أجريت الانتخابات الآن. أما في حزب "كاديما" فتبدو الخلافة محصورة حالياً بين شمعون بيريز الذي يفضله "أولمرت" نفسه كخليفة له وبين وزيرة الخارجية "تسيبي ليفني"، التي رفعت شعار التمرد علناً ضد "أولمرت" وطالبته بالاستقالة من منصبه بعد صدور التقرير. أما في حزب "العمل"، فإن الانتخابات الداخلية على رئاسة الحزب والمقرر أن تُجرى بعد أسبوعين، أي في الثامن والعشرين من الشهر الجاري، فإنها ستحدد الزعيم الجديد لـ"كاديما"، والذي سيخوض المنافسة على رئاسة الحكومة الجديدة. استطلاعات الرأي التي أجراها مركز "داحاف" بين أعضاء حزب "العمل"، تشير إلى أن المنافسة شديدة بين المتنافسين الخمسة على زعامة الحزب وهم: "عمير بيريتس" الزعيم الحالي ووزير الدفاع الذي يبدو معسكره مستميتاً في جلب وتعبئة الأنصار رغم الهزة التي لحقت بصورته في تقرير "فينوجراد"، و"إيهود باراك" رئيس الوزراء السابق الذي يراهن على خبرته السابقة كجنرال في كسب المنافسة، في حين يركز خصومه على مسؤوليته في التقصير السياسي والأمني في معركة لبنان باعتباره رئيس الوزراء الذي اتخذ قرار الانسحاب أحادي الجانب من الشريط الحدودي في لبنان، ثم "عامي أيالون" رئيس "الشاباك" سابقاً وهو جهاز الأمن الداخلي، وعضو "الكنيست" الشاب "عوفير بينس" و"داني ياتوم" الجنرال السابق. وعلى الرغم من شدة المنافسة فإن استطلاع الرأي يمنح كلاً من "باراك" و"أيالون" أكبر الفرص في الفوز وكلاهما يتباهى بماضيه كجنرال سابق في مواجهة "عمير بيريتس"، الذي اتهمه تقرير "فينوجراد" بضعف الخبرة العسكرية والأمنية، وهو ما أدى إلى تقصيره في أداء دور وزير الدفاع. في تقدير بعض المحللين الإسرائيليين أن جو الإحباط السائد نتيجة لما أظهره تقرير "فينوجراد" من غياب روح القيادة في كل من رئيس الوزراء ووزير الدفاع الحاليين، هو أفضل الأجواء المواتية لشخص مثل "باراك" باعتباره جنرالاً في الجيش وصاحب خبرة في إدارة الشؤون السياسية المرتبطة بقضايا الأمن على نحو خاص. وفي حال تمكن باراك من كسب المعركة الداخلية في حزب "العمل"، فإن المرجح أن تنحصر المنافسة حول منصب رئيس الوزراء الجديد بينه وبين بنيامين نتانياهو في الانتخابات المقبلة، حيث يميل المزاج العام في أعقاب الفشل العسكري إلى اختيار إما شخصية يمينية معروفة بالتطرف والتشدد ضد العرب كما حدث في أعقاب الهزيمة الإسرائيلية في 1973 على يد الجيشين السوري والمصري، حيث فاز مناحيم بيجن زعيم "الليكود" اليميني المتطرف في انتخابات 1977، وإما شخصية ذات خبرة عسكرية قادرة على إعطاء إحساس الثقة في قدرة الجيش الإسرائيلي على تحقيق الأهداف التي تُناط به. إذا وجدنا أنفسنا خلال عام من الآن أمام انتخابات مبكرة بطلاها الرئيسيان نتانياهو وباراك، فإن المشهد سيشبه ما حدث عام 1999 حيث انحصرت المنافسة بين الرجلين. وإلى أن يحين وقت رفع الستار عن هذا المشهد المتوقع، يمكن القول إن عملية السلام قد وضعت جانباً نتيجة لعجز حكومة "أولمرت" عن اتخاذ قرارات كبرى.