كأن المحكمة الدولية للتحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، والجرائم المتصلة بها، قد أصبحت وراءنا، بمعنى أنها ستقر في مجلس الأمن الدولي... هكذا تتصرف الأكثرية النيابية وبهذا صرح عدد من قادة المعارضة، وفي معزل عن السجالات والاحتمالات. هل يعني ذلك أن الأزمة قد انتهت؟ بالتأكيد لا. وربما تصاعدت وتيرتها وحدَّتها إذا لم تكن مبادرة لمعالجة سياسية، ونحن على أبواب استحقاق انتخابات رئاسة الجمهورية وقد فتحت معركتها في كل الاتجاهات ومن قبل كل الأطراف. وإذا كان هذا أمراً طبيعياً في الحالات العادية، فإنه أمر استثنائي اليوم في مواجهة حالة استثنائية. وفي معزل عن النقاشات الدائرة حول نصاب جلسة الانتخابات وعن مواصفات الرئيس، والتجاذبات الحاصلة، فإن الاستحقاق قد يشكل بل يجب أن يشكل في رأيي المدخل إلى التسوية السياسية الشاملة في البلاد، انطلاقاً من الالتزام باحترام مواعيده الدستورية، وبالتالي عدم استقواء أي فريق بالتعطيل، بل التأكيد على ضرورة إجراء الانتخابات في موعدها، ليس فقط لأن مجلس المطارنة برئاسة البطريرك صفير يطالب بذلك، ولهذه المطالبة خصوصية، ترتبط بخصوصية موقع رئيس الجمهورية والرئاسة، ولا لأن كثيراً من اللبنانيين يريدون ذلك فحسب، بل لأن الاستحقاق قد يضع حداً لكل ما نعاني منه اليوم. كيف؟ الكل يقول: "لابد من اتفاق ". ماذا يمنع الاتفاق ؟ ولماذا لا نبادر في اتجاهه ما دمنا مقتنعين بأننا محكومون به في النهاية؟ لماذا لا نختصر المسافات والوقت ونحدُّ من الخسائر المرتقبة في حال استمر الخلاف بين اللبنانيين؟ لماذا لا نلتزم بهدنة المئة يوم التي طالبت بها الهيئات الاقتصادية، والاتحاد العمالي العام وأيدتها قوى كثيرة، فنترك متنفساً للبنانيين، وفرصة على أبواب موسم الصيف، ونوفر انتعاشاً نسبياً في الحركة الاقتصادية، بما يخفف المعاناة عن الناس. ونذهب في الوقت ذاته إلى حوار نؤكد فيه الاتفاق على ما أجمع عليه سابقاً من نقاط الحوار في مارس 2006، إلى النقاط السبع في يوليو 2006، إلى القرار 1701...؟ وفي معزل عن السجال الدائر حول الاتفاق، وبالإجماع حول النقاط السبع، وكيف تم... ولماذا تم... وما هي الظروف التي أمْلته، فإن كل ذلك يمكن تجاوزه من خلال تجديد الاتفاق على مضمون ما سبق ذكره، وإضافة البند الاقتصادي ومقررات "باريس- 3" والتشريعات الضرورية لها، ومبدأ قانون الانتخاب الجديد وربما شكله، وتحديد مدة زمنية لإنهائه، وآليات تطبيقية لكل هذه البنود تفتح نقاشاً واسعاً بين القوى المختلفة، فتتبدد هواجس وتهدأ النفوس، وتطمئن القلوب والخواطر، ونجدد عقد وحدتنا الوطنية ونصل إلى تسوية شاملة، يمكن على أساسها انتخاب رئيس جديد للجمهورية تكون معالم طريق عهده واضحة باتفاق سياسي حولها، ويشمل ذلك بالتأكيد عملية تشكيل حكومة جديدة، لا تكون معركة حول الأعداد فيها لجهة حصة المعارضة والأكثرية عندما يكون قد تم الإعداد للبرنامج السياسي الواضح لهذه الحكومة. وعندما نتحدث عن مثل هذه التسوية، وعلى الأسس التي ذكرنا، فإن الوصول إليها يريح البلاد من جهة، ويفتح الباب مجدداً لعلاقات لبنانية- سورية مستقيمة على الأسس التي حددها الدستور وأجمع عليها اللبنانيون من جهة ثانية، فيرتاح البلدان وتنطلق عملية إعادة بناء الثقة في الداخل، ومع الخارج، وعملية إعادة بناء ما تهدَّم على المستويات السياسية والنفسية والمالية والإدارية. إن البديل عن مثل هذه التسوية، يعني الدخول في متاهات ربما يعرف البعض أو الجميع كيف يدخلون إليها، لكن أحداً لا يعرف كيف يخرج منها وحتى بأية تكلفة، ولا أعتقد أن في ذالك مصلحة لأحد من اللبنانيين مع ما يحيط بهم من هواجس ومخاوف وقلق، ومع ما يسمعونه من تحليلات واحتمالات وعن توترات ومشاكل. وكل ذلك أدى وسيؤدي إلى إفراغ البلد من شبابه، ومن نخبه، وإلى إلحاق ضرر كبير بمن سيبقى فيه وبمصالحه. من يتابع التطورات الدولية والإقليمية، وتشابك عواملها، يدرك أنه لا يمكن للبنان أن يكون في معزل عن التأثر بها إذا تخلف اللبنانيون عن حماية أنفسهم باتفاقهم وتماسكهم على الأسس التي ذكرنا. والتسوية بطبيعة الحال التي ستحصل في النهاية، تحتاج إلى قادة كبار وإلى عقلاء يترجمون الأقوال بالأفعال عندما يحذرون من الوقوع في كل أشكال الفتن الخطيرة المذهبية أو الطائفية، أو من الوقوع في لعبة صراع الدول والأجهزة المختلفة على الأرض اللبنانية، وبالتالي يقدمون على تكريس روح المصالحة ومنطق التسوية.