لم تكن ثمة مفاجآت غير متوقعة في التقرير العلني الأول الذي صدر يوم 29 أبريل 2007 عن لجنة التحقيق التي عينتها حكومة الكيان الصهيوني، والمعروفة باسم "لجنة فينوجراد" نسبة إلى رئيسها القاضي المتقاعد "إلياهو فينوجراد"، لتقصِّي أوجه القصور والإخفاق على المستويين السياسي والعسكري في الحرب التي شنها الكيان الصهيوني على لبنان في يوليو وأغسطس من العام الماضي. فقد أكد التقرير بعبارات صريحة لا تقبل التأويل النتائج والانتقادات نفسها، التي أصبحت متداولة على نطاق واسع في الأوساط الصهيونية وخارجها منذ الأيام الأولى للحرب، وازدادت حدتها بعد أن وضعت الحرب أوزارها، وبدا واضحاً أنها لم تحقق أياً من الأهداف الكبرى التي تبجَّح القادة الصهاينة، ورعاتهم في الإدارة الأميركية، بإطلاق الوعود عن قدرتهم على تحقيقها خلال أيام قلائل. وقد انصبت انتقادات التقرير على القادة الثلاثة الذين تحملوا القدر الأكبر والأساسي من المسؤولية عن اتخاذ قرار الحرب أولاً ثم إدارتها واستمرارها ثانياً، وهم رئيس الوزراء "إيهود أولمرت"، ووزير الدفاع "عمير بيريتس"، ورئيس الأركان السابق "دان حالوتس". فقد وصف التقرير أولمرت بأنه "أساء التقدير" عندما اتخذ القرار بشن الحرب وتصرف "بشكل متهور" و"لم يطلب من الجيش بدائل قبل اتخاذه القرار، ولم يوجه الأسئلة التي كان يتعين أن يسألها عن المراحل التالية من العملية". وأضاف التقرير أن أولمرت يتحمل المسؤولية عن "عدم تحديد أهداف الحملة العسكرية على نحو واضح ودقيق"، وأن الأهداف المعلنة للحرب كانت "مبالغة في الطموح ومستحيلة التحقيق". واتهم التقرير "بيريتس" بأنه "يفتقر إلى المعرفة والخبرة على المستوى العسكري"، وبأنه لم يسع إلى تعويض هذا النقص والحصول على معلومات أكثر دقة وشمولاً، واكتفى بالاستماع إلى نصائح حلقة ضيقة من المستشارين الذين لا يفوقونه كثيراً من حيث الخبرة. أما "دان حالوتس"، فكان أول "الرؤوس" الكبرى التي تطايرت من جراء الفشل في الحرب، إذ قدم استقالته بعد وقف إطلاق النار بأسابيع قلائل، فقد وجه إليه تقرير "لجنة فينوجراد" انتقادات لاذعة، مؤداها أنه "استخف بخطر الصواريخ" التي أطلقها "حزب الله"، ورأى فيها "مجرد ظاهرة مصاحبة للقتال"، كما أنه لم يقم وزناً لتحذيرات القادة العسكريين الآخرين ولتقديرات أجهزة الاستخبارات حول قدرات "حزب الله" ومدى انتشار قواته، فضلاً عن أنه "فرض قراراته ورؤيته على الحكومة، وأسكت الأصوات الأخرى داخل هيئة الأركان"، ومن ثم تحولت الحكومة إلى مجرد أداة للتصديق على مقترحاته. كما كان لأجهزة الاستخبارات، وخاصة الاستخبارات العسكرية، نصيبها من الانتقادات في تقرير "لجنة فينوجراد"، وإن كان كثير من التفاصيل المتعلقة بأداء هذه الأجهزة قد ظل في نطاق السرية وحُجب في الجزء العلني الذي نُشر من التقرير. ويُستشف من الإشارات التي نقلتها الصحف الإسرائيلية في هذا الصدد أن التقرير تحدث عن عدد من أوجه القصور فيما يتعلق بتعامل جهاز الاستخبارات العسكرية مع المعلومات التي تلقاها عن قدرة "حزب الله" على أسر عدد من الجنود الإسرائيليين، وإمكان اشتعال الوضع في حالة تنفيذ ذلك، فضلاً عن أن الجهاز وجه الجزء الأكبر من اهتمامه وإمكاناته لتتبع أنشطة المقاومة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولم يهتم بنفس القدر بالمخاطر الأخرى الماثلة على الجبهة الشمالية. ورغم أن هذه الانتقادات جميعها، سواء للقادة السياسيين والعسكريين أو لأجهزة الاستخبارات، قد ترددت بعبارات أكثر حدة في كتابات كثير من المعلقين في الكيان الصهيوني أثناء الحرب وفي أعقابها، ورغم أن الدعوات المطالبة باستقالة "أولمرت" و"بيريتس" و"حالوتس" باعتبارهم أبرز المسؤولين عن الفشل لم تتوقف منذ انتهاء العمليات العسكرية في أغسطس 2006، فقد كان لتقرير "لجنة فينوجراد" وقع الصدمة في أوساط الحكم والرأي العام في الكيان الصهيوني، مما يرجح أن يكون مقدمةً لتغيرات كبرى في الخريطة السياسية وفي توجهات الدولة الصهيونية. فلم يعد الإقرار بأوجه القصور وبالإخفاق مجرد اجتهاد أو رأي فردي لكاتب هنا أو هناك، ولم يعد أيضاً مجرد اتهام توجهه قوى في المعارضة إلى الائتلاف الحاكم من أجل تسجيل مكسب سياسي أو إحراج الخصوم، بل غدا إقراراً رسمياً من لجنة شكلتها الحكومة بنفسها استجابة للضغوط الإعلامية والجماهيرية الواسعة، ولا يمكن اتهامها بالتحامل أو المبالغة بالرغم من اللغط الذي صاحب تشكيلها وأسلوب عملها. كما أن تقرير اللجنة، بما اتسم به من نقد واضح ومباشر ومفصل، لا يترك لقادة الكيان الصهيوني مجالاً كبيراً للمناورة على المدى البعيد. فقد أظهر استطلاع للرأي بثته الإذاعة الإسرائيلية أن 69 في المئة من الإسرائيليين يؤيدون استقالة "أولمرت" بعد نشر التقرير، بينما يؤيد 74 في المئة استقالة "بيريتس" (صحيفة السفير اللبنانية، 1 مايو 2007). وحتى إذا ما أفلحت حكومة "أولمرت" في الصمود لبعض الوقت أمام العاصفة التي فجرها التقرير، فلن يكون بوسعها أن تظل في موقعها لفترة طويلة، خاصة وأنها تستند إلى ائتلاف هش بين "حزب كاديما"، الذي أسسه رئيس الوزراء السابق "أرييل شارون" من شتات متنافر من القوى والشخصيات، و"حزب العمل"، الذي يعاني هو الآخر من صراعات داخلية محتدمة على زعامته ليس من شأنها على الأرجح إلا الزج بهذا الحزب إلى موقع أكثر ضعفاً وهامشية في الحياة السياسية في الكيان الصهيوني. وبالإضافة إلى ذلك، فإن هذه الحكومة تواجه تهديداً متواصلاً يتمثل في صعود أسهم "حزب الليكود"، بزعامة بنيامين نتانياهو، و"حزب شاس"، بزعامة الحاخام "عوفاديا يوسف"، حتى أن كثيراً من تعليقات الصحف الإسرائيلية أصبحت تتحدث عن نتانياهو باعتباره الأوفر حظاً لتولي رئاسة الحكومة في حالة استقالة الحكومة وإجراء انتخابات مبكرة. ولعل الهجوم العنيف الذي شنته صحيفة "هآرتس" على "أولمرت" وحكومته عشية نشر التقرير، يُعد مؤشراً دالاًّ على المناخ السائد في الكيان الصهيوني. فقد دعا "عوزي بنزيمان"، وهو من أبرز كتاب الصحيفة، إلى استقالة "أولمرت" بغض النظر عن النتائج التي يخلص إليها تقرير "لجنة فينوجراد"، مؤكداً أن أولمرت "لا يدرك حتى الآن أنه وفريقه الحاكم فقدوا شرعية إدارة شؤون الدولة بسبب سلوكهم الشخصي". ثم يمضي الكاتب قائلاً: "يخطئ حين يقوم بتشخيص الواقع من وراء العدسة القانونية وحدها. فمصيره لن يحسم من خلال لجنة فينوجراد، بل من خلال مكانته ومكانة حكومته الأخلاقية... صحيح أن الحكومة تتمتع بغالبية ائتلافية حتى الآن، إلا أنها ليست أكثر من جسم فني فقط في الوقت الحالي وسرعان ما ستنهار لأنها معلقة على قشة من الناحية الأخلاقية"،(صحيفة الأخبار اللبنانية، 28 أبريل 2007). وأياً ما كانت النتائج التي سيفضي إليها تقرير "لجنة فينوجراد" على المدى القريب والبعيد، فمن الواضح أن الأفق لا يحمل للدولة الصهيونية إلا مزيداً من الأزمات المستعصية، والتي كانت حرب لبنان مجرد عرض من أعراضها. والله أعلم.