سجل يوم الثلاثاء الماضي ذكرى مهمة في تاريخ أيرلندا الشمالية تمثل في الاتفاق التاريخي لتقاسم السلطة بين البروتستانت والكاثوليك؛ بين الأيرلنديين الجمهوريين والموالين لبريطانيا، لتبدأ معه مجموعة من التحديات المرتبطة بالطريقة الأمثل لاستحضار ذكرى ماضٍ أليم. فقد اعترف اتفاق "بلفاست" في 1998، الذي شكل الإطار الشامل لإنشاء الحكومة المحلية، بحق الضحايا في التذكر واستحضار الماضي. وهو مبدأ صادم قليلاً لأنه أدرج في وثيقة رسمية وكأن عملية التذكر مسألة بسيطة تمر من دون تداعيات قد تكون خطيرة. والعكس هو ما يحدث مثلاً في الولايات المتحدة، حيث تدافع الحكومة عن حق الناس في النسيان؛ لذا لا توجد أدنى إشارة إلى عطلة وطنية تحتفل بذكرى تحرير العبيد باعتباره حدثاً مهماً في التاريخ الأميركي بكل المقاييس. وكثيراً ما يتم التحايل على التاريخ الدموي للولايات المتحدة الذي رافق التمدد باتجاه المناطق الغربية والمجازر التي ارتكبت في حق السكان الأصليين بذريعة التقدم الهائل الذي أعقب ذلك. فكيف ستطبق أيرلندا الشمالية حقها في التذكر وعدم النسيان؟ إن إغراء فقدان الذاكرة الكلي يظل أقوى من التذكر، وهو ما شهدناه في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية عندما وقف المدافعون عن منطق الحرب الباردة إلى جانب النسيان "وعقلية التقدم إلى الأمام". وفي أسبانيا أيضاً رأينا كيف أن الحكومة أصدرت عقب وفاة الجنرال "فرانكو" ما أسمته بـ"ميثاق النسيان". والواقع أن الميل إلى النسيان مفهوم تماماً، بحيث عادة ينفر الأشخاص من إعادة تذكر اللحظات الأليمة والقاسية، أو تحميل أطفالهم هموم الذكريات المريعة. كما أن الحكومات لها الحق أيضاً في تشجيع ما يسمى بـ"النسيان غير البريء" الذي كان أول من أشار إليه المؤرخ الألماني "يورج فولومبورج". وهكذا لم تتردد الحكومة الرواندية بعد المجازر الرهيبة التي شهدها عام 1994 في منع تدريس تاريخ المنطقة في المدارس بدعوى تفادي تأجيج النعرات وإيقاظها. وحتى في أيرلندا الشمالية تتعالى المطالب من قبل البعض داعية إلى النسيان معتبرة أنه سيكون من الأفضل للاقتصاد التركيز على المآثر التاريخية التي تبرز الوحدة والمناظر الطبيعية التي تزخر بها البلاد، بدلاً الرجوع إلى عقود العنف والكراهية بين الكاثوليك والبروتستانت القريبة من الذاكرة. بيد أن الماضي الذي نحاول خنقه وإبقاءه بعيداً عن عملية التذكر يستعصي على النسيان، حيث يظل كامناً في الأعماق ليظهر مجدداً وبدون سابق إنذار. فاليوم تنخرط ألمانيا في عملية تأمل حول تجربتها مع النازية، كما تعيد إسبانيا فحص ميراثها السابق مع الفاشية. وحتى هنا، في ولاية كاليفورنيا الأميركية، حيث النقاش على أشده حول مواضيع الهجرة غير الشرعية وقوانين الترحيل الجائرة، مازلنا ندفع ثمن فقدان الذاكرة التاريخية. هذا الميل إلى النسيان هو ما أخشى أن تسقط فيه أيرلندا الشمالية، حيث سيتم توخي أعلى درجات الحذر في ملامسة المواضيع الشائكة. فخلال معرض "الصراع: أيرلندا في زمن الحرب" الذي احتضنه متحف "ألستر" لم يُشر إلى قليلاً وفي الحدود الدنيا إلى المرحلة المعاصرة من التاريخ الأيرلندي، أو إلى الدور البريطاني في الصراع الدموي. وقد اكتفى المنظمون بوصف حذرٍ للغاية لبعض المعروضات مثل الرصاص المطاطي، أو العصي التي كانت تستخدمها الشرطة البريطانية، وذلك حتى لا يتم إبراز مدلولها القمعي، وبالتالي انتزاعها من سياقها التاريخي الذي مازال حياً في الأذهان. ويبدو أن معرضاً آخر سيقام في أحد السجون الشهيرة في أيرلندا الشمالية الذي شهد موت مناضلين كبار مثل "بوبي ساندز" وغيرهم عندما أضربوا عن الطعام. ورغم أن المعرض هذه المرة لن يحاول القفز عن التاريخ، أو تجاهله، إلا أنه يُبرز مع ذلك التحديات التي تواجهها عملية المصالحة بسبب ما يحركه منظر المعتقل في النفس من مشاعر مؤلمة عند تذكر مصير الموت جوعاً الذي لقيه المناضلون. وإذا كان من السهل مستقبلاً رفع رايات أيرلندا الشمالية فوق مقر الحكومة الذي كان في السابق معقل الوحدويين، إلا أنه من الصعب مثلاً التخلص، أو حتى إلغاء ملامح تمثال البريطاني الوحدوي "سير إيدوارد كارسون" الذي يزيِّن مدخل المقر الحكومي. ولكم أن تتخيلوا أيضاً الصعوبة التي تنطوي عليها عملية وضع كتب حول التاريخ لطلاب المدارس في أيرلندا الشمالية تحظى بموافقة جميع الأحزاب السياسية. ومع ذلك فقد مر الاحتفال السنوي بالقديس "باتريك" في بلفاست بخير دون أن تنجم عنه اضطرابات، أو عنف، بل والأهم من ذلك أن المنظمات الأهلية والقواعد الشعبية نجحت في إسقاط الحواجز والجدران التي كانت تفصل بين الأحياء البروتستانتية والكاثوليكية. ولعل الأهم من ذلك كله المؤتمر الذي عقدته منظمة "العلاج من خلال التذكر" في بلفاست وجمع عدداً من الشخصيات "الجمهورية" و"الوحدوية" ومن المستقلين الذين كانوا في الماضي يقفون على طرفي نقيض لدراسة التجربة السابقة وإيجاد الطرق الكفيلة للتصالح مع الماضي. وقد جاء في بيان المؤتمر أن الهدف من هذا الاجتماع "ليس فقط المصالحة السياسية"، بل تحركه أيضاً دوافع "أخلاقية". فلو تركت مسألة التعاطي مع الماضي والتاريخ للحكومات والمنظمات التجارية لتحول إلى سلعة أخرى يتم تمييعها في وسائل الإعلام، أو توظيفها سياسياً من قبل السلطة، لذا يتعين على جمعيات المجتمع المدني والقواعد الشعبية الانخراط في نقاش جدي حول التاريخ وانتزاعه من أيدي "المسترزقين"، لأنها الطريقة الوحيدة لضمان مستقبل مشرف لماضي أيرلندا الشمالية. توني بات أستاذ زائر في معهد علم الجريمة والعدالة الجنائية بجامعة "كوين" الأيرلندية ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"