ذكَّرني النقاش الدائر داخل الحزبين "الديمقراطي" و"الجمهوري" والمنصب حول الانتخابات الرئاسية للعام المقبل بخطاب الرئيس "أبرهام لينكولن" الذي قال فيه "لن ينتبه العالم إلى ما نقوم به، ولن يتذكر أيضاً ما نقوله هنا..". والواقع أن النبرة المتشائمة التي يحملها خطاب "لينكولن" قد تبدو مع ذلك أكثر سخاء في حكمها على السياسة الأميركية في ذلك الوقت مقارنة مع الجدل الحالي بين المرشحين الرئاسيين. فماذا عسانا نقول بشأن المعلومات الموثقة التي تفيد بأن النائب الديمقراطي "مايك جرافيل" توقف عن أخذ دوائه لأنه لا يؤمن بجدواه، أو أن ثلث المرشحين "الجمهوريين" يعترفون علناً بأنهم لا يؤمنون بنظرية التطور؟ ويبدو أنه لم يبقَ أمامنا، في ظل هذا الواقع، سوى إجراء استطلاع للرأي في الجولة القادمة من النقاشات لمعرفة ما إذا كان "الجمهوريون" يعتقدون أن الأرض مسطحة. وعلى رغم هذه السخافات التي يحفل بها أحياناً النقاش السياسي داخل الحزبيين الأميركيين، إلا أن النقاش الدائر يمنحنا فرصة لتقييم المرشحين من كل حزب بعد مرور أربعة أشهر من الحملة الانتخابية المحتدمة. ويبدو أن كل تلك النقاشات أدت إلى ترسيخ البنى الحزبية القائمة بدل إعادة تشكيلها. فقد دخل كل من الحزبين الرئيسيين النقاش السياسي عبر ثلاثة مرشحين يحتل كل منهم مرتبة معينة، حيث يوجد على الجانب "الديمقراطي" كل من "هيلاري كلينتون" و"باراك أوباما"، و"جون إدواردز"، بينما يصطف على الجانب "الجمهوري" كل من "رودي جولياني" و"جون ماكين" و"مت رومني". والواضح أنه منذ بدء النقاش السياسي لم تشهد البنية الحزبية أي تغيير فيما يتعلق بالمرشحين، لكن العلاقة بين الصف الأول والثاني من حيث المكانة في الحزب "الديمقراطي" هي أفضل منها في الحزب "الجمهوري". واللافت أن النقاش داخل الحزبين جاء فقط ليكرس ترتيب المرشحين الذين اختاروا المواقع ذاتها لتمييزهم عن بعضهم بعضاً في كلا الحزبين، حيث لا تخرج الصفات التي يحرص عليها جميع المرشحين سواء في الحزب "الديمقراطي"، أو "الجمهوري" عن ثلاث: المرشحين القادرين والمرشحين الملهمين، والمرشحين الطموحين. فبالنسبة للحزب "الديمقراطي" تظهر "هيلاري كلينتون" باعتبارها المرشحة "القادرة" التي تركز في حملتها على ما تملكه من تجربة سابقة، إلى جانب حزمها ومهارتها. وتكمن نقطة قوتها الأولى في الاعتقاد السائد لدى "الديمقراطيين" أنه في ظل بيئة داخلية وعالمية معقدة تستطيع "هيلاري" أن تتولى الرئاسة منذ اليوم الأول. لذا فإنها تقدمت على منافسيها في الحزب، حسب مسح أجراه مركز "بيو" للبحوث بثماني إلى نقطة واحدة. أما "أوباما" فهو المرشح المُلهم، حيث تكمن قوته في إثارة الجمهور من خلال رؤيته الداعية إلى المصالحة الوطنية وتجسير الهوة بين الحزبين والتقريب بينهما، وهي الرؤية التي بقدر ما يجسدها بنفسه بالنظر إلى أصوله المختلطة، بقدر ما يحسن الدفاع عنها أمام الرأي العام. ومن ناحيته يراهن المرشح "الديمقراطي" الثالث "إدواردز" على الطموح من خلال الترويج لنفسه باعتباره المرشح الذي يملك واحدة من أكثر الأجندات السياسية طموحاً سواء في الداخل، أو الخارج. وفي المعسكر "الجمهوري" يتبدى نفس التقسيم أيضاً بين المرشح القادر والمُلهم والطموح. وهكذا يظهر "ماكين" على أنه المرشح الذي يجسد القدرة بإبرازه لخبرته العسكرية والسياسة الطويلتين. أما المرشح "جولياني" فقد اختار الإلهام واستحضار فترة الرئيس ريجان لاستنهاض حماس الجمهور، في حين يعتمد المرشح الثالث "رومني" على الطموح لتعزيز موقعه بعدما نُقل عنه قوله "دعوني فقط أضع يدي على الموازنة" في إشارة واضحة إلى خططه الطموحة. وليس غريباً أن يتعرض المرشحون الملهمون في الحزبين معاً "أوباما" و"جولياني" إلى تراجع في معدل شعبيتيهما خلال النقاشات، لأن هذه الأخيرة غالباً ما تعطي الأولوية لكل ما هو واقعي وملموس وليس للأحلام والمثاليات. رونالد براونشتاين كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"