ما هي موضوعات الخطاب الديني؟ وكيف يتفاعل ذلك الخطاب مع سياقه التاريخي؟ وإلى أي حد يستجيب لمنظومة المجتمع الاستهلاكي ومفاهيم الرأسمالية المعاصرة؟ وكيف تفاعل مع أحداث الحادي عشر من سبتمبر؟ وما هي الصور الممكنة لتشكله مستقبلاً؟ تلك الأسئلة وغيرها هي مما يحاول الدكتور أحمد زايد تقديم إجابة عليه في كتابه "صور من الخطاب الديني المعاصر". يسعى الكتاب إلى التعرف على الخطاب الديني في مصر المعاصرة؛ موضوعاته، خصائصه، وآليات إنتاجه، وذلك من خلال تحليل نصوص صادرة عن مؤسسات دينية، إسلامية ومسيحية متعددة. وهو يقصد بمصطلح الخطاب الديني جملة "الأقوال والنصوص المكتوبة والمسموعة التي تصدر عن المؤسسات الدينية أو عن رجال الدين، أو التي تصدر عن موقف أيديولوجي ذي صبغة دينية أو عقائدية...". وأخذاً بذلك التعريف، يتجه الكتاب نحو النظر بالبحث في عينة من النصوص تمثل صوراً مختلفة للخطاب الديني؛ وهي عينة ظهرت في الفترة بين عامي 2000 و2004، وشملت الخطاب الديني الإسلامي والخطاب الديني المسيحي في مصر. أما استراتيجية تحليل الخطاب التي يتبناها الكتاب، فتحاول كشف الافتراضات الكامنة خلف النصوص، وفك شفرة الخطاب للتعرف على ما يضمره من مفاهيم واتجاهات وميول فكرية، ولكي يفصح لنا عن معانيه وتجلياته غير الظاهرة. وبالطبع فإن تحليل الخطاب لا يقدم إجابة قاطعة على كل الأسئلة الخاصة، لكنه يساعد في تكوين فكرة عامة وشاملة عن النص، أي التعرف على الرسائل التي يود توصيلها، وتالياً وضع تلك الرسائل في سياقها التاريخي والاجتماعي. يحلل المؤلف أربع صور من خطاب النخبة الإسلامية، ويصف كيف يتحول "خطاب الأزهر من الوعظ والإرشاد إلى النقد". فذلك الخطاب يركز في معظمه على الوعظ والإرشاد، لكنه حين ينتقل إلى الموضوعات الفكرية والثقافية والسياسية، "يتحول إلى خطاب أكثر حدة... ليدخل في اتجاه النقد اللاذع وتوجيه الاتهامات أحياناً". ثم يتناول "الخطاب الإسلامي المعولم" كما تمثله نصوص الدكتور يوصف القرضاوي، وهي كما يقول المؤلف، نصوص تكشف عن رؤية إصلاحية "تتفاعل تفاعلاً كبيراً مع قضايا الساعة الساخنة". وهنا نجد ثلاث قضايا رئيسية تنتظم خطاب القرضاوي: سؤال التأخر في العالم الإسلامي، والعلاقة مع الغرب، والرجوع إلى الإسلام كطريق للإصلاح. وفي صورة ثالثة للخطاب الإسلامي، يحلل المؤلف "خطاب النقد الاجتماعي من منظور إسلامي"، متجسداً في كتابات فهمي هويدي، وهو خطاب تتنازعه ثلاثة موضوعات: القضية الفلسطينية، أحوال المسلمين، والأحوال المصرية والعربية. وأخيراً هناك "الخطاب الدعوي الجديد"، ونموذجه الداعية الشاب عمرو خالد الذي يقدم الإسلام بطريقة جديدة، حيث يتخذ الخطاب الإسلامي طابعاً تحفيزياً خالصاً؛ فيسخط على الواقع الحاضر سخطاً جماً، ويلفت النظر إلى عظمة الماضي، وذلك للتأكيد على أن النهضة ممكنة في المستقبل. ومن تفحصه لـ"آليات الخطاب الديني الإسلامي"، يخلص المؤلف إلى أنها ثمانٍ رئيسية؛ فالمقارنة بين واقع الحال والمثل العليا تعد إحدى الآليات الأساسية لهذا الخطاب في إنتاج ذاته، كذلك آلية الركون إلى النصوص المقدسة كوسيلة لإثبات أهمية الموضوع وصحة افتراضاته. كذلك يمثل النقد إحدى الآليات الأساسية لهذا الخطاب، علاوة على كونه خطاباً "ممسرحاً" تتداخل في إنتاجه عناصر ومؤثرات مختلفة، كما تحكمه آلية المقارنة الثنائية: الماضي والحاضر، الذات والآخر، الاستقامة والانحراف... وهو أيضاً خطاب يميل إلى الانتقائية في مقارناته، كما يضع نفسه في مكان الناصح والمرشد الأمين، ويبدو مفتوناً بالعلم وبتقديم تفسيرات علمية لقضايا كثيرة. ويحاول المؤلف أيضاً إلقاء الضوء على "صور من الخطاب الديني القبطي"، فيحلل عينات من عظات البابا شنودة، ونماذج من كتب الأنبا موسى، ومقالات ليوسف سيدهم، حيث يلاحظ أن الخطاب البابوي القبطي يعكس ميلاً نحو الروحانيات والمثل العليا، منفكاً بذلك "من دائرة الواقع إلى عالم المثل". أما الموضوعات التي يتناولها الخطاب البابوي فأهمها: العقيدة وصنوف البشر، التركيز على القيم الإيجابية مقابل القيم السلبية، التعريف بطقوس العبادة والتأكيد على وظائفها، وأخيراً المشكلات والقضايا الاجتماعية على نحو غير مباشر. وإذا كان خطاب البابا قد اتخذ طابعاً روحياً خالصاً، فإن نصوص الأنبا موسى تتحاور مع قضايا العالم المعاصر وتعالج قضايا ذات طابع عام، وتمس قضايا الشباب خاصة. أما كتابات يوسف سيدهم فمثلت "الخطاب القبطي بلغة السياسة"، وقد احتلت فيها قضايا ومشكلات الأقباط الدائرة الأوسع، ودارت حول ثلاثة موضوعات رئيسية: بناء الكنائس، مقابر المسيحيين، والتحيز ضد الأقباط. ويقول المؤلف عن الخطاب القبطي عامة إنه استند في إنتاج ذاته إلى أربع آليات رئيسية: التفاؤل بدل الامتعاض، التضمين والتشويق، الإرشاد إلى التنشئة الكنسية، وأخيراً معيارية الغرب. وعموماً فإن الكتاب يضع الخطاب الديني في سياق المتغيرات العالمية والمحلية، ذلك أن الظروف الجديدة على صعيد العالم أعادت تشكيل مفهوم الهوية، وأدت بالجماعة إلى التزام خط الدفاع تجاه الآخر، مما كان له أثره المباشر على الطريقة التي تصاغ بها الرابطة الدينية في عالمنا المعاصر، وعلى الطريقة التي تدرك بها الجماعات حدود هذه الرابطة. كما أن نكبة فلسطين والثورة الإيرانية، وفشل الدولة الوطنية... عمقت تداخل "الديني" بـ"السياسي". وفي الختام يسجل المؤلف من خلال تحليله للخطاب الديني الإسلامي وجود حساسية مفرطة تجاه الغرب. كما يصل إلى أن تنوع الخطاب الديني (الإسلامي والقبطي معاً)، يعكس تنوع المتلقين وطرق إنتاج الخطاب ذاته. ورغم إيجابية التنوع، فإن صوره الجديدة توسع الهوة بين الأطراف والاتجاهات على اختلافها، وما ذلك إلا أحد أوجه التناقض في السياق العالمي والإقليمي وفي بنية الدولة الوطنية أيضاً! محمد ولد المنى الكتاب: صور من الخطاب الديني المعاصر المؤلف: د. أحمد زايد الناشر: دار العين للنشر تاريخ النشر: 2007