أعادت ظاهرة صعود حركة "طالبان" على الساحة الأفغانية وتنامي حدة الهجمات التي تشنها على قوات التحالف الدولي هناك، تجدد الاهتمام العالمي ليس فقط بالحركة المتمردة التي تأبى إلقاء السلاح، بل بمجمل أفغانستان التي مازالت، رغم تاريخها الطويل من الحروب والمواجهات الدامية مع القوى الخارجية، تفاجئ المراقبين بقدرتها على القتال. ولفهم الوضع الحالي في أفغانستان قرر الباحثان السويسريان المختصان في علم الإثنوجرافيا؛ "بيير سونتليفر" و"ميشلين سونتليفر"، الرجوع قليلاً إلى الوراء، وخصوصاً إلى ملاحظاتهما التي سجلاها خلال رحلتيهما إلى أفغانستان في عام 1972 وعام 2005 والكشف عن دراستهما الثقافية والتاريخية لشعوب المنطقة، في الكتاب الذي نعرضه هنا وعنوانه "إعادة رؤية كابول: رحلة الصيف والشتاء بين 1972 و2005". الكتاب يعود بنا إلى مرحلة التحول الأساسية في التاريخ المعاصر لأفغانستان، وتحديداً تلك الفترة الحُبلى بالاضطرابات التي شهدت الانتقال من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري إثر انقلاب قاده ضباط شيوعيون في أبريل 1978. ويبدو أن ذلك الانقلاب الذي أطاح بالنظام الملكي في البلاد لم يكن سوى بداية تاريخ من التطاحن العرقي والأيديولوجي الذي غذته وقتها الولايات المتحدة على خلفية صراعها مع الاتحاد السوفييتي. ولم يجد الأميركيون حينها سوى التركيبة الثقافية للشعب الأفغاني ذات البنية الاجتماعية المحافظة المتجذرة في المناطق القبلية البعيدة عن مركز البلاد لإدارة صراعها الأيديولوجي. وهكذا عرف الغرب كيف يوظف الحمولة الدينية الكثيفة للثقافة الأفغانية وتأجيجها ضد التواجد السوفييتي في أفغانستان بعد اجتياح موسكو لكابول لحماية النظام الموالي لها، وهو ما يقودنا إلى أسباب صعود "طالبان" التي تزعمت إلى جانب جماعات أخرى حركة المقاومة ضد القوات السوفييتية وتمكنت في النهاية من إخراجها. لكن بصرف النظر عن التسلسل الزمني للأحداث والتطورات السياسية التي عرفتها أفغانستان في العقود الأخيرة، يرى الباحثان أن تاريخ البلاد رسمه مصير الأفراد والعائلات الأفغانية التي تعاقبت عليها الحروب في القرى والبلدات وحولتها إلى لاجئين في معسكرات باكستان، أو إلى منفيين في البلدان البعيدة. ولأن علم الإثنوجرافيا لا يسعى إلى دراسة الظواهر السياسية، بل هو وصف وتسجيل للمادة الثقافية وفحص أوجه النشاط الثقافي كما تتبدى من خلال التحولات الميدانية والوثائق التاريخية، فقد ركز الباحثان اهتمامهما على الجانب الشخصي والفردي في دراستهما. وفي هذا الإطار التقى الكاتبان بالعائلات الأفغانية التي عاصرت الحروب المتعاقبة وتتبعا مسارها من خلال الظروف المختلفة التي أجبرت على العيش في كنفها سواء في أفغانستان، أو في دول الجوار. والواقع أن الكتاب، في المحصلة النهائية، ليس سوى تجميع لتلك الشهادات واللقاءات المختلفة ووضعها في السياق العام لأفغانستان التي تحولت إلى مكان تتقاطع في المواجهات الجيوسياسية. فبينما كانت أفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي، ساحة لصراع الحرب الباردة، كانت البلاد، كما يقول المؤلفان، تتحول تدريجياً إلى "فضاء يختمر في أرجائه نزاع من نوع آخر وبتداعيات أخطر يجمع بين غرب يفترض أنه إمبريالي وليبرالي، وبين أصولية إسلامية ترفض أشكال التواجد الغربي في البلاد وتعتبره أمراً غير مقبول". وبعد مضي فترة على زيارتهما الأولى التي قاما بها إلى أفغانستان وتسجيلهما للتحولات الكبرى في البلاد وتأثيرها البالغ على الأهالي في ترحالهم المتواصل وتشبثهم الأبدي بالسلاح في وجه المحتل، يعود المؤلفان مرة أخرى عام 2005 ليكتشفا مزيداً من الدمار واللاجئين. فقد حرص الباحثان على تتبع هؤلاء الأفراد، والأسر التي التقوا بها في البداية واكتشاف مساراتها التي فرقتها دروب الحياة الصعبة وطوَّحت بها الظروف القاسية. ومن خلال الملاحظات التي سجلها الكتاب تبرز ميزة مهمة أشار إليها وتتمثل في قدرة بعض الأفغان على التأقلم مع الظروف المستجدة، والتأرجح بين حكم "طالبان" الصارم، وبين الديمقراطية الغربية الوافدة. والأكثر من ذلك ينوِّه الباحثان إلى الدور الحيوي الذي يلعبه الأفغان العائدون إلى الوطن بعد سنوات المنفى الطويلة. واللافت حقاً، حسب الباحثين، أن تقوم النساء اللواتي كنَّ يعشن في إيران بجهود كبيرة للرقي بالنساء وانخراطهن في جمعيات مدنية تدافع عن حقوق المرأة الأفغانية. لكن المنفى، كما يذهب إلى ذلك الباحثان، لم يكن دائماً إيجابياً، إذ بينما ساهم في رفد الحياة الأفغانية بأفكار جديدة تتماشى مع الظروف المستجدة الساعية إلى تثبيت المصالحة وإحلال الاستقرار في البلاد، فإنه شكّل أيضاً مختبراً للصراعات التي تمزق أفغانستان، حيث ساهم القادمون من المنفى في تأجيج الصراعات الكامنة داخل المجتمع الأفغاني. وتتضح هذه الثنائية بشكل خاص في العاصمة كابول حيث تتعايش الأفكار الواردة من الغرب جنباً إلى جنب مع الفقر المدقع ومظاهر الحياة الغارقة في التقاليد. والأمر بالنسبة للكاتبين لا يتعلق فقط بالمجتمع الأفغاني وتفاعله مع مكوناته الداخلية، المقيمة والعائدة، بل يرتبط أيضاً بعلاقة المجتمع مع الغرب من خلال الخبراء والمنظمات المختلفة. هذه العلاقة التي خرجت من طابعها الحيوي إلى مرحلة من التكلُّس، تحولت خلالها المنظمات الإنسانية الغربية إلى مجرد "مجموعة من الخبراء منفصلة عن الواقع الأفغاني وتنظر إليه عبر مقاعد سياراتها التي يتولى قيادتها سائقون أفغان دون فهم حقيقي للواقع". هذا الفشل في فهم المجتمع الأفغاني وتحولاته الثقافية، هو ما يفسر فشل الجهود الغربية في تغيير أفغانستان وتحويلها إلى دولة معاصرة. زهير الكساب الكتاب: إعادة رؤية كابول: رحلة الصيف والشتاء بين 1972 و2005" المؤلفان: بيير سونتليفر وميشلين سونتليفر الناشر: إيد زوي تاريخ النشر: 2007