يذهب "برايان كابلان" الأستاذ المساعد للاقتصاد بجامعة "جورج ماسون" في كتابه الموسوم "أسطورة الناخب الرشيد: الديمقراطيات تختار سياسات رديئة"، والذي نعرضه في هذه المساحة، إلى أن العقبة الكبرى أمام السياسة الاقتصادية السليمة في الدول الديمقراطية لا تكمن في المصالح الخاصة ولا جماعات الضغط، كما يعتقد كثيرون، ولكنها تكمن في سوء المدركات المغلوطة، واختلاط المفاهيم، إلى جانب المعتقدات غير المنطقية والإنحيازات الشخصية للناخبين العاديين. وفي كتابه هذا المستفز والحاث على التفكير، يقدم لنا "كابلان" تقييماً متقناً وشاملاً وصادماً في الآن ذاته، يذهب فيه إلى أن الناخبين وفي كافة الديمقراطيات الغربية غالباً ما يلجأون عند الانتخابات إلى انتخاب السياسيين الذين يشاطرونهم انحيازاتهم ومدركاتهم الخاطئة بالفعل، أو على الأقل يتظاهرون (أي السياسيون) بأنهم يفعلون ذلك إرضاءً للناخبين وسعياً للحصول على أصواتهم، وهو ما نراه يتكرر دائماً بنفس الصورة تقريباً في معظم الحملات الانتخابية التي تسبق التصويت، حيث يحاول كل سياسي أن يظهر وكأنه التجسيد الحي لكل ما تعتقده الجماهير التي يسعى إلى جذبها لصفه. ينتج عن ذلك، كما يقول المؤلف، أن الجماهير تقوم المرة تلو الأخرى بانتخاب سياسيين رديئين أو سياسيين لديهم القدرة على التلون وعلى ركوب الموجة الانتخابية دون أن يتمتعوا بأي كفاءة تتيح لهم تحقيق الوعود التي قدموها للناخبين، وهو ما يرجع في نظره إلى أن الغالبية العظمى من جماهير الناخبين تلك لا يتوافر لديها الحافز لتعلم بعض الأسس الاقتصادية التي تمكنها من متابعة المساجلات والنقاشات الاقتصادية، حتى تستطيع أن تكوّن رأياً صائباً أو أقرب ما يكون إلى الصواب بشأنها، وحتى تستطيع أيضاً أن تكوّن تصوراً قريباً عن السياسي الذي يمكن أن يمنحوه أصواتهم وذلك الذي يجب أن يحجبوها عنه، وأن تلك الغالبية من الناخبين تقوم المرة بعد المرة بتكرار نفس الأخطاء وتأسيس اختياراتها السياسية بناء على نماذج واقعية مغلوطة. ويضع المؤلف بشجاعة منقطعة النظير كافة الافتراضات الأساسية للسياسات الأميركية ومنها ذلك الرأي القائل إن العملية السياسية في الدول الديمقراطية تحول بالضرورة -بسبب طبيعتها الكامنة- دون ظهور أي سياسات مضرة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية مؤكداً أن سبب إخفاق الديمقراطية يرجع تحديداً إلى أنها تحرص دائماً على أن تفعل ما يريده الناخبون منها حتى ولو كان خطأً أو سيؤدي إلى نتائج وخيمة -بدلاً من أن تكون حريصة على فعل الصواب- وهو ما يرجع إلى أنها من حيث الجوهر لا تستطيع أن تتجاهل إرادة الناخبين وإلا ناقضت نفسها بنفسها. ويشير المؤلف إلى أن علماء الاقتصاد يرون أن هذا الموضوع تحديداً هو الموضوع الأساسي الذي يجب أن يركز عليه أي دارس للسياسات العامة. وللتدليل على صحة طرحه، يجري المؤلف تحليلاً شاملاً للسلوك الانتخابي للجماهير الأميركية، كما يجري استطلاعاً لآراء شرائح عديدة منهم بشأن نطاق عريض من المسائل الاقتصادية، كما يطرح قضية مقنعة مؤداها أن الأشخاص غير الاقتصاديين أي غير المتخصصين في الاقتصاد يتميزون بأربعة أنواع مختلفة من التحيزات: الأول، أنهم يقللون من أثر وفعالية آليات السوق. الثاني أنهم لا يثقون بالأجانب. الثالث، أنهم يقللون من قيمة فوائد المحافظة على العمالة وعدم الاستغناء. والرابع أنهم يتبنون وجهة نظر متشائمة حيال الاقتصاد ويعتقدون أنه يمضي دائماً من سيئ إلى أسوأ. ولا يتوقف المؤلف عند حد تقديم التحليل الدقيق لتلك العناصر المؤثرة في سيرورة الاقتصاد، والتحيزات التي تسمه، وإنما يعمد كذلك إلى تقديم بعض الطرائق الجسورة الكفيلة بجعل الديمقراطيات تعمل على نحو أفضل من ذلك الذي تعمل عليه بالفعل. ومن تلك الطرائق على سبيل المثال: حث مخططي السياسات الاقتصادية والمسؤولين عنها على نشر الوعي بالمسائل الاقتصادية، والتركيز على تصويب المدركات المغلوطة لدى الجماهير، وتقديم النصح للديمقراطيات بعدم التدخل المبالغ فيه في الشؤون الاقتصادية وترك زمام القيادة لآليات السوق القادرة على تصحيح الأخطاء بنفسها. وكان من الطبيعي بعد ذلك التناول الشامل أن ينتهي المؤلف إلى خلاصة حتمية وهي أن الحكم الديمقراطي الرشيد لا يمكن تحسينه إلا بإجراء إصلاحات شاملة، مبنية على افتراضات أساسية حول قدرة الناخبين على التعلم والإدراك. ويكتسب الكتاب أهمية نظراً لاقتراب موسم الانتخابات الرئاسية الأميركية، ومن هنا فالنقاش الذي يتوقع أن يثيره بين مؤيد لما ذهب إليه المؤلف ومعارض له، قد يكون كفيلاً بدفع المسؤولين الأميركيين إلى إعادة تقويم النظام الانتخابي. والكتاب لا يستمد هذه الأهمية التي ننسبها إليه من الآراء القيمة التي احتوى عليها، ولا من دقة التحليلات التي قدمها وشمولها ولا حتى من الاقتراحات التي بسطها بوضوح، وإنما أيضاً من كونه كتاباً شاملاً يتميز بالحيوية والطرح الجريء الذي تخلو منه معظم الكتب التي تتناول موضوعات مشابهة، ولكونه أيضاً يشتمل على مزيج غني من الاقتصاد والعلوم السياسية وعلم النفس وعلم الاجتماع والتاريخ أيضاً. كتاب لابد لأي شخص لديه اهتمام بموضوع كفاءة الأداء السياسي، بصرف النظر عن اقتناعه بما ساقه المؤلف من آراء وحجج أو عدم اقتناعه بها... وسواء اختلف معه في تقييمه للديمقراطية أو اتفق، فالشيء الذي لاشك فيه أنه سيخرج منه أكثر معرفة واستنارة وإلماماً بهذا الموضوع الذي يشغل الكثيرين حالياً حيث تحتدم انتخابات في عدة دول، وحيث يكتسب موسم الانتخابات الرئاسية الأميركية القادمة مزيداً من الزخم. سعيد كامل الكتاب: أسطورة الناخب الرشيد: الديمقراطيات تختار سياسات رديئة المؤلف: برايان كابلان الناشر: برنستون يونيفرستي برس تاريخ النشر: 2007