هل كان الرئيس الروسي السابق، بوريس يلتسين، الذي فارق الحياة مؤخراً، حاملاً لمشعل التحول السياسي الديمقراطي في روسيا حقاً؟ ذلك هو السؤال الذي يحاول "هربرت جي. إليسون" مؤلف هذا الكتاب الإجابة عنه، بالقول ابتداءً إن يلتسين يعد من أهم القيادات الروسية المعاصرة، وأكثرها ديناميكية، وأقلها حظاً في الإعلاء من قدره وشأنه. ومن زاوية نظر المؤلف، فإن يلتسين هو القائد الفعلي وحامي حمى الثورة الديمقراطية الروسية التي أعقبت انهيار التجربة السوفييتية. بل هو تجسيد حي لمجموعة القيم الديمقراطية الروسية التي لا تزال في مرحلة التشكل والتكوين، أي تلك الحريات التي بدأت تشكل الإطار العام للثقافة الديمقراطية الناشئة، بما فيها احترام سيادة القانون، وصيانة الملكية الخاصة، إلى جانب الحريات الرئيسية الأخرى، كحرية التعبير وحرية العقيدة وحرية الصحافة وحرية التنظيم السياسي. ويذكر أن الرئيس ميخائيل جورباتشوف، كان قد طرد بوريس يلتسين من طاقم الإصلاح السياسي الذي شكله إبان العهد السوفييتي عام 1987. غير أن يلتسين تمكن من اجتياز تلك الانتكاسة الكبيرة التي لحقت بعمله السياسي، ليصبح فيما بعد قائداً لثورة التحول السياسي الديمقراطي في بلاده، كما يقول المؤلف، حيث يضيف إلى إنجازات يلتسين: إنشاءه لمكتب الرئيس الروسي، الذي انتخب له فيما بعد انتخاباً حراً ديمقراطياً، وصياغته لدستور ديمقراطي للاتحاد السوفييتي السابق، كونه تمكن من قطع الطريق أمام محاولة انقلابية دبرتها مجموعة من أعضاء الحرس السوفييتي القديم، وإعلان حرية واستقلال الجمهوريات السوفييتية السابقة، إلى جانب إبداله لهيمنة الحزب الشيوعي على جهاز الدولة وأدوات الحكم بمؤسسات النظام الديمقراطي. أما على الصعيد الاقتصادي، فقد استبدل يلتسين النظام الاشتراكي وأسلوب الإنتاج السابق القائم على الملكية العامة لوسائل الإنتاج، بأسلوب الإنتاج الرأسمالي القائم على مبدأ الملكية الخاصة. ومن وجهة نظر الكاتب، فقد تمكن يلتسين بفضل هذه الإنجازات، من أن يصبح خلال فترة وجيزة أول رئيس روسي ينتخب انتخاباً ديمقراطياً حراً ونزيهاً خلال الألف عام الماضية كلها. وبفضل قدراته القيادية وحنكته السياسية، تمكن يلتسين كذلك من قطع الطريق أمام عنف "الثورة المضادة" واجتياز الحملة الشرسة التي ووجهت بها برامج الإصلاح التي تبناها. بل يذهب الكاتب في إعلائه لشأن تلك الإنجازات إلى القول، إن يلتسين يتصدر الصف الأمامي لأبرز القادة السياسيين في القرن العشرين. على أن هذا الموقف الدفاعي المطلق عن شخصية يلتسين وفترته الرئاسية، يجيء مخالفاً لكثير من الكتابات السابقة. فهل جافى الكتاب الحقيقة والموضوعية في انحيازه المطلق لصف يلتسين، وفي الحكم على فترة رئاسته؟ ربما حاول يلتسين اجتراح طريق ثان بديل للتجربة السوفييتية الآفلة في بلاده. ربما سعى لإحداث تحول سياسي اقتصادي عميق، استهدف تجاوز عيوب تلك التجربة وسلبياتها الكثيرة التي حاولت الحياة العامة للشعوب إلى ما يشبه السجن الكبير. لكن هل تمكن فعلاً من إحداث ذلك التحول؟ دليل النفي أن روسيا ما بعد العهد السوفييتي، لا تزال قابعة في براثن الممارسة السياسية الشمولية، بينما تردى المستوى المعيشي للمواطنين الروس إلى حد بعيد، رغم النمو السنوي الهائل الذي تحققه في إجمالي ناتجها القومي من قطاع النفط والغاز الطبيعي وحده، ناهيك عن بقية القطاعات الإنتاجية الأخرى. وكان يلتسين قد صعد إلى سدة الحكم في الثاني عشر من يونيو 1991، وسط أجواء عارمة من الآمال والتوقعات الشعبية الداخلية والغربية معاً، لما يمكن أن يحدثه برنامجه الإصلاحي من تحولات. بيد أن تلك الشعبية سرعان ما انحسرت على إثر سلسلة من الأزمات السياسية والاقتصادية التي أحدثتها سياساته وممارسته للسلطة. بل ذهبت موسوعة "ويكيبديا" إلى وصف فترة يلتسين، بأنها كانت فترة مؤلمة من فترات التاريخ السياسي الاقتصادي الروسي الحديث. وقالت إن أكثر ما ميزها: تفشي ظاهرة الفساد، والانهيار الاقتصادي، إلى جانب اتسامها بجملة من المصاعب السياسية والاقتصادية. وما أن حانت اللحظة التي تعين فيها على يلتسين مغادرة منصبه الرئاسي، حتى تدنت شعبيته بين مواطنيه الروس إلى نحو 2% فقط! أما برنامج "الصدمة العلاجية" الذي تبناه يلتسين طريقاً لإصلاح الاقتصاد الروسي –بما فيه تبني نمط اقتصاد السوق الحرة، وتقليص رقابة جهاز الدولة على الإنتاج وإدارة الاقتصاد القومي، وكذلك تقليص أو إنهاء نظام الرعاية الاجتماعية ودعم السلع والمنتجات... الذي كان معمولاً به إبان العهد السوفييتي- فلم تكن حصيلته سوى تفشي الفقر، ونهب ثروات البلاد، وتركيز الموارد الاقتصادية كلها بأيدي حفنة من الأثرياء. ولتلك الأسباب معاً، فقد وصفت تلك الحقبة كلها بأنها فترة حكم "الأوليجارك" أي حكم الأقلية الفاسدة. وقد صدر كتاب كامل بهذا المعنى تحت عنوان: "الأوليجاركية: الثروة والسلطة في روسيا الجديدة"، من تأليف الكاتب "ديفيد إي. هوفمان"، في ديسمبر 2003. وليس هذا سوى نموذج واحد فحسب، للانتقادات الموجهة إلى عهد يلتسين ودور إدارته في إدخال روسيا الحديثة في مأزقها السياسي الاقتصادي الحالي. وربما كان العامل الرئيسي وراء هذا المأزق، هو التبني الفج والمتسرع لنمط اقتصاد السوق الحر، وبضاعة العولمة البائرة، في دولة كان يمسك بتلابيب اقتصادها على امتداد العقود، نمط الإنتاج الاشتراكي الذي يسيطر عليه جهاز الدولة. ولعل هذا هو التحول الذي طالما مجده واحتفى به الغرب ودعاة العولمة، بصرف النظر عن النتائج الكارثية التي جلبها على روسيا وشعبها. عبد الجبار عبد الله الكتاب: بوريس يلتسين والتحول الديمقراطي الروسي المؤلف: هربرت جي. إليسون الناشر: مطبعة جامعة واشنطن تاريخ النشر: 2007