مع استعداد سوريا للاستفتاء الشعبي على منصب رئيس الجمهورية وتجديد البيعة للرئيس بشار الأسد، تخرج سوريا إلى أفق جديد اتضحت ملامحه مع انتصار المقاومة اللبنانية في حرب "الوعد الصادق" حيث قلب هذا الانتصار كثيراً من المفاهيم التي كانت شبه غائمة لدى الرأي العام الدولي. وقد نجحت المقاومة في فلسطين وأوصلتها الديمقراطية إلى سدة السلطة، كما نجحت المقاومة في العراق حين لم تنجح الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها، وباتت الولايات المتحدة أكثر قابلية لإعادة النظر في سياساتها في المنطقة العربية، وما يحدث اليوم من حوارات ساخنة في ساحات السياسة الأميركية يدلل على ذلك. كان لسوريا دور فاعل ومؤثر فيما أنجزته المقاومة العربية التي وجدت من يؤمن بها ويثق بقدرتها على الاستمرار في مشروعها التحرري رغم كل ما لقيت من عنف وشدة وضراوة، فقد كانت سوريا حاضنة لفكر وثقافة المقاومة دون أن يتناقض ذلك مع التزامها بالسلام العادل والشامل. ولئن كان تقرير "فينوغراد" قد حسم مسألة فشل إسرائيل في حربها على لبنان فإن ثنايا التقرير كشفت أن الحرب كانت خطة للقضاء النهائي على المقاومة اللبنانية، ولو أن هذا الهدف تحقق فإن الهدف الثاني سيكون القضاء على المقاومة في فلسطين، وسيكون بالضرورة تأثير تحقيق الهدفين على المقاومة العراقية قاسياً جداً، وهي التي تتعرض لتشويه ضخم عبر العمليات الإجرامية التي يقوم بها إرهابيون مجرمون. ولقد شكلت سوريا عقبة كبيرة أمام مخططات الصهيونية، فدارت حولها الدوائر، وبدأت تواجه من التهديد والوعيد ما جعل بعض أعداء الداخل والخارج يتوقعون انهيار النظام السياسي فيها، ويراهنون على أنه يعيش أواخر أيامه، غير مدركين أن سوريا تعيش حالة من التماهي الكامل بين الشعب والقيادة السياسية في الرؤية وفي الموقف التحرري والعروبي. ولئن كان هناك من يختلف مع رؤية القيادة في بعض الأمور التي تحتمل وجهات نظر أو تستدعي حواراً داخلياً، فإن ثمة إجماعاً شعبياً عارماً على سلامة وصحة الموقف المبدئي والنهج السياسي وحسن إدارة الأزمات. وهذا الموقف نابع من إيمان الشعب بأن المقاومة خيار وطني لا يتعارض مع خيار السلام حين تجد سوريا شريكاً مستعداً للسلام، وأن الحفاظ على السيادة واجب مقدس مهما كانت التضحيات من أجله جسيمة ومكلفة. وقد صبر الشعب السوري على كل ما تعرض له من حصار ومن عقوبات فرضتها الولايات المتحدة بهدف الضغط على سوريا، كما تجاوز الشعب مخططات عزل سوريا، وأكد لمن خططوا لعزله بأنهم يعزلون أنفسهم لأن سوريا جزء رئيس من الحل، ولم تكن قط جزءاً من أية مشكلة. وقد قدمت سوريا الدليل على كونها تتصرف بعقلانية وتتجنب القرارات الانفعالية، ومثال ذلك إسراعها في تنفيذ المرحلة الأخيرة للانسحاب في لبنان، وكانت بدأته بعد تحرير جنوب لبنان، وقد فعلت ذلك كي لا تتيح لأعداء الأمة ذرائع لاقتناص موقف يمنحهم شرعية عدوان جديد. كذلك عبرت سوريا عن موقف عقلاني حكيم حين رحبت بالتحقيق الدولي في جريمة اغتيال الحريري، وحين رفضت أن تنجرَّ إلى ساحة الخلافات اللبنانية رغم كل التحريض الذي كان يدعوها إلى مستنقع الخلاف، وأعلنت أنها مع التوافق اللبناني، وقد وصل التعبير السوري عن التزام سوريا بالوقوف إلى جانب لبنان كله، حين وقع العدوان الإسرائيلي في الصيف الماضي ففتحت سوريا أبوابها لكل الأشقاء اللبنانيين دون أية تفرقة بين من وقف ضدها وبين من وقف معها. ولم يكن موقف سوريا منة على أحد، فانتصار المقاومة انتصار لسوريا، وكان الهدف أن ينتصر لبنان وقد انتصر بحمد الله، ولم تستطع إسرائيل أن تحقق هدفها في إبادة المقاومة وجعل لبنان بلداً ضعيفاً ولقمة سائغة يسهل على إسرائيل وأنصارها ابتلاعها. لقد واجهت سوريا على مدى السنوات السبع التي هي عمر الرئاسة الأولى للرئيس الأسد أخطر تهديد عرفته الأمة في تاريخها المعاصر. فقد شكلت حرب العراق تهديداً مباشراً لحضور العرب كأمة، بل إن بعض المثقفين العرب ممن فقدوا البوصلة والإيمان أنذروا الأمة بالخروج من التاريخ، وبعضهم شكك في قدرتها على البقاء، وبدأ يروج للهدف العملي من الحرب على العراق وهو تفتيت كيان العرب والمسلمين، ورسم خريطة جديدة لهويتهم السكانية عبر مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يهدف إلى أمر واحد، هو إلغاء سمة العروبة والإسلام من هوية المنطقة، وإتاحة المجال الجغرافي والسكاني لإسرائيل كي تصير أكبر وأقوى دولة في المنطقة بعد إغراق دول الطوائف والإثنيات في حروب أهلية مدمرة. لقد أصر شرفاء العرب على رفض مشروع الشرق الأوسط الكبير، واستنكروا دعاوى الديمقراطية الأميركية التي كانت الولايات المتحدة تظن أنها ترعب بها الدول العربية وتتيح من خلالها فرصة لفتح الباب أمام من يزعمون أنهم ليبراليون وهم أشباح الصهيونية للوصول إلى مواقع متقدمة في السلطات العروبية المتمسكة بالحقوق وبثقافة المقاومة. كما كان للموقف الوطني والعروبي الذي عبر عنه شعب العراق دور كبير في إفشال مخططات التقسيم والتمزيق، مما جعل مشروع الشرق الأوسط الكبير ينكفئ فاشلاً مثلما انكفأت إسرائيل خلف الجدار الذي بات يعزلها وسيكون سجناً لها، ومثلما انكفأ حلمها بالتنقيب تحت الأقصى حين وجدت آثاراً عربية أموية بدل أن تجد الهيكل الذي تبحث عنه. ولقد تبدى أفق جديد أمام سوريا بعد نجاح قمة الرياض، وتعزيز التضامن العربي، وبعد أن قامت دول ذات شأن في العالم بمراجعة لمواقفها بعد أن ترددت أمام الضغط الإسرائيلي والأميركي، وأكدت سوريا مكانتها الدولية عبر احترامها التاريخي للشرعية الدولية وحرصها عليها، وعبر استعدادها الدائم للتعاون في مكافحة الإرهاب، وما قدمته من دعم للعملية السياسية في العراق، ومن حرص على نجاح الدعم المشترك من دول جوار العراق. ولقد فتحت الولايات المتحدة أفقاً للحوار مع سوريا نرجو أن يتسع وأن يشمل كل القضايا، لأننا في النهاية لا نريد حروباً، وإنما نطلب حقوقاً أقرتها الشرعية الدولية. ونحن في سوريا لا نغرد خارج سرب أمتنا، بل نحرص على تمتين التضامن العربي، وعلى استعادة المشروع العروبي القومي، وعلى الدفاع عن الإسلام بوصفه رسالة الأمة الحضارية التي منحتها مكانتها عبر التاريخ. ومع انتظار سوريا يوم الاستفتاء يكبر الأمل في أن تبدأ المرحلة الجديدة التي تتيح لسوريا خطوات أبعد وأكبر على طريق الإصلاح والتنمية والتحديث وقد قطعت بها شوطاً كبيراً، ومكنها من النجاح ما تنعم به من أمن واستقرار سياسي.