هل قررت أخيراً إدارة الرئيس بوش التركيز أكثر على الجهود السياسية والمساعي الدبلوماسية بعد انصراف طويل إلى الحلول العسكرية للمشاكل الدولية المتفاقمة التي تنخرط فيها؟ هذا السؤال هو ما ينكب المحللون على دراسته في واشنطن هذه الأيام. وفي هذا السياق يلفت المراقبون النظر إلى مؤشرات عديدة تفيد بأن الرئيس بوش قد يكون بصدد تغيير مقاربته في التعاطي مع القضايا الدولية. ولعل أحد تلك المؤشرات الدالة هو اللهجة اللينة نسبياً التي بدأ الرئيس بوش في تبنيها تجاه سوريا وإيران بعد التشدد الظاهر في التعامل معهما سابقاً. فهو أدرج إيران ضمن دول "محور الشر" خلال خطابه عن "حالة الاتحاد" لعام 2002 ومنذ ذلك الحين وهو ينتقد السياسات الإيرانية في الشرق الأوسط. وما أن دخلت القوات الأميركية إلى العراق وتبينت حدة المأزق الذي تورطت فيه أميركا حتى اتجهت أصابع اتهام الإدارة الأميركية إلى إيران لتطالبها بوقف التدخل في الشؤون العراقية، فضلاً عن الخلاف في وجهات النظر حول الملف النووي الإيراني الذي ارتفع التصعيد بشأنه في عهد الرئيس بوش. ولم يختلف الأمر كثيراً في تعامل بوش مع سوريا، حيث قام في 2005 باستدعاء السفير الأميركي في دمشق وخفض مستوى الاتصال بين المسؤولين الأميركيين والسفير السوري في واشنطن في مسعى واضح لمعاقبة السوريين من خلال عزلهم دبلوماسياً. وتصاعدت التكهنات عقب الغزو الأميركي للعراق عام 2003 عن احتمال إقدام الولايات المتحدة على مهاجمة سوريا، أو إيران. فرغم امتناع المسؤولين الأميركيين عن تأكيد تلك المخاوف وإحجامهم عن إصدار تهديدات رسمية للبلدين باستخدام القوة ضدهما، إلا أن تصريحات الإدارة الأميركية المنتقدة لهما أججت تلك المخاوف المرتبطة باحتمال توجيه ضربة عسكرية لأحد البلدين، أو كليهما. كما كرر الرئيس بوش في 2002، ثم في 2003 رفضه للمبادرات الإيرانية بفتح حوار دبلوماسي مع الولايات المتحدة، حيث ترك الانطباع من خلال تصريحاته بعدم استبعاد الخيار العسكري لتغيير النظام في طهران. وبالنسبة لهؤلاء الذين يؤمنون بقيمة الدبلوماسية وقدرتها على التوصل إلى حلول فقد انتعشت آمالهم خلال شهر نوفمبر الماضي في إمكانية تغيير الرئيس بوش لمساره الصدامي العنيف، لاسيما بعد صدور التقرير المشترك للجنة "بيكر- هاملتون" والداعي إلى ضرورة الانخراط في مساعٍ دبلوماسية مع إيران وسوريا. لكن رد الرئيس بوش جاء مخيباً للآمال، ولم يشفع لـ"جيمس بيكر" لدى بوش أنه كان وزير خارجية الولايات المتحدة خلال الفترة الرئاسية لوالده، إضافة إلى خبرته الطويلة في العمل الدبلوماسي. والأكثر من ذلك أن وزيرة الخارجية "كوندوليزا رايس" سارعت إلى الإعلان أنه لا حاجة للدخول في حوار مع طهران أو دمشق لأن مواقفهما معروفة للجميع، كما أنهما تعرفان ما تريده أميركا منهما. لكن مع ذلك رصد المراقبون في الآونة الأخيرة إشارات تدل على أن إدارة بوش بدأت فعلاً في اكتشاف أهمية الدبلوماسية ودورها المحوري في خدمة المصالح القومية الأميركية. وكانت البداية من الشرق الأقصى، حيث توصل دبلوماسي أميركي رفيع إلى اتفاق مع كوريا الشمالية بعد مفاوضات عسيرة حول ملفها النووي، رغم كونها إحدى الدول التي أدرجتها الإدارة الأميركية ضمن "محور الشر". ويبدو أن الانتقادات التي كالتها الإدارة الحالية للرئيس كلينتون لتفاوضه مع كوريا الشمالية لم تمنع بوش نفسه من توقيع اتفاقية معها. وقد نقلت التقارير أن وزيرة الخارجية "كوندوليزا رايس" استطاعت التغلب على الجناح المتشدد في الإدارة الأميركية الذي يمثله نائب الرئيس "ديك تشيني" ونجحت في التوصل إلى الاتفاق مع كوريا الشمالية. هذا الاتفاق الذي ما أن وقع حتى تعرض لانتقادات شديدة من قبل "جون بولتون" السفير الأميركي السابق لدى الأمم المتحدة والمعروف بمواقفه الرافضة للتفاوض مع دول "محور الشر". وبالنسبة للمراقبين كانت تلك إشارة واضحة على استعادة الجناح المعتدل داخل الإدارة لزمام الأمور من أيدي جماعة "تشيني" و"بولتون" وباقي المدافعين عن استخدام القوة دون سواها. وجاءت الإشارة الثانية عن احتمال تغير السياسة الخارجية الأميركية وتحولها من التركيز على القوة إلى الاهتمام بالدبلوماسية من مؤتمر شرم الشيخ الأخير حول مستقبل العراق الذي عقد في مصر، وما صاحبه من لقاء لوزيرة الخارجية الأميركية "كوندوليزا رايس" بنظيرها السوري وليد المعلم. ورغم التكهنات عن لقاء كان مرتقباً بين "رايس" ووزير الخارجية الإيراني، إلا أن ذلك لم يحدث وتم الاكتفاء باللقاء السوري، وهو مؤشر إيجابي قياساً إلى المواقف الأميركية السابقة الساعية إلى عزل سوريا. وفي هذا الإطار أيضاً يمكن الإشارة إلى الزيارات المتكررة التي قامت بها "كوندوليزا رايس" إلى الشرق الأوسط ولقائها بالمسؤولين الفلسطينيين والإسرائيليين ودفعهم إلى المزيد من الاجتماعات لتحريك عملية السلام. والأهم من ذلك الزيارة الأخيرة التي يقوم بها نائب الرئيس "ديك تشيني" إلى المنطقة وتعريجه على العديد من الدول بما فيها العراق، وهو ما يسلط الضوء على الدور المتصاعد للدبلوماسية في السياسة الخارجية الأميركية. فنائب الرئيس "تشيني" الذي كان أحد المحرِّضين على غزو العراق، بل وأحد الذين عارضوا اللجوء إلى الأمم المتحدة لطلب ترخيص للإطاحة بالنظام، يجنح اليوم نحو تجريب الدبلوماسية، علها تنجح في تحقيق ما فشلت فيه القوة العسكرية. وفي ظل الوضع الأمني المتردي في العراق وإصرار الرأي العام الأميركي على سحب القوات من هناك وإعادتها إلى أرض الوطن لم يبقَ أمام "تشيني" سوى الإذعان للأصوات المنادية بتجريب الخيار الدبلوماسي، والكف عن سياسة الغطرسة التي اتبعتها الإدارة الحالية. ويبدو أن "تشيني" نفسه أدرك، ولو متأخراً، أن القوة العسكرية لوحدها لن تحل مشكلة العراق ما لم تصاحبها مصالحة سياسية بين الأطراف العراقية المتنازعة، وهو ما جاء لبغداد من أجله. ومن المهم الإشارة إلى الزيارة الأخيرة التي حملت "تشيني" تحديداً إلى الإمارات العربية والمملكة العربية السعودية، لما يدركه من مكانة متميزة تتمتع بها الإمارات في الخليج، ودور القادة السعوديين في تقديم المشورة. وقد بات "تشيني" ومعظم رموز الإدارة الأميركية متأكدين من أنه لا مناص من إشراك الدول الخليجية لإخراج أميركا من ورطتها في العراق.