قبل فترة وجيزة، مرّ "يوم الأسير الفلسطيني" بهدوء، ولربما بنسيان، على امتداد العالم العربي طبعاً باستثناء فلسطين حيث جرى إحياء الذكرى عبر عدد كبير من الفعاليات. وفي هذه الأثناء، تواصل الجدل والخلاف بشأن صفقة تبادل الأسرى مع إسرائيل، خاصة فيما يتعلق بقائمة الأسماء التي تقدمت بها الفصائل المسؤولة عن أسر الجندي الإسرائيلي "جلعاد شاليط". بل إن الجهود المصرية الساعية لإنجاح الصفقة تراوح مكانها، بسبب عقبات تضعها حكومة إيهود أولمرت. وكان الرئيس المصري نفسه قد صرح بأن هناك ملامح اتفاق تتضمن الإفراج عن "شاليط" مقابل الإفراج عن دفعة أولى كبيرة من الأسرى الفلسطينيين من النساء والأطفال، يتلوها الإفراج عن أسرى على دفعات ثلاث، وأن الجانب الإسرائيلي أبدى استعداده للإفراج عن عدد أكبر من المتوقع، إلى أن جاء نفي حكومة أولمرت لوجود أي اتفاق أو صفقة للتبادل. وفي مقابل الضجة الإعلامية "العالمية" للمطالبة بالتدخل للإفراج عن جندي إسرائيلي واحد، فإن هذا "العالم" يتجاهل آلاف الفلسطينيين المدنيين، من رجال ونساء وأطفال، تعتقلهم سلطات الاحتلال الإسرائيلي أغلبيتهم "إدارياً"، وقد بلغ عددهم حسب آخر إحصائية لمصلحة السجون الإسرائيلية صدرت في شهر مارس الماضي 11013 أسيراً، منهم 754 من القطاع، و8178 من الضفة والقدس والأراضي المحتلة عام 1948، ومن بينهم 356 طفلاً. أما مركز المعلومات الصحفي الفلسطيني فقد أصدر تقريراً تناول فيه الإحصائيات المتعلقة بالأسرى الفلسطينيين في سجون ومعتقلات الاحتلال، حيث بلغ إجمالي عددهم حتى منتصف فبراير الماضي 10400 أسيراً منهم 8828 من الضفة و850 من القطاع و525 من القدس المحتلة و142 أسيراً من أراضي عام 1948، و55 من الدول العربية. ومن بين الأسرى 117 أسيرة و330 طفلاً تتراوح أعمارهم بين 12 و18 عاماً، بالإضافة إلى مئات من كبار السن، و800 أسير محكوم إدارياً وبدون تهمة. أما "الموقوفون" فعددهم 4484 ونسبتهم 43.1% من مجموع الأسرى. ويتضح فارق الأرقام في ضوء تقرير أصدرته مجموعة الرقابة الفلسطينية عن الاعتقالات في صفوف الفلسطينيين منذ بداية العام، ومؤداه أن قوات الاحتلال تعتقل شهرياً من الضفة والقطاع ما يقارب 500 مواطن فلسطيني، حيث أسر الاحتلال خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي 1584 مواطناً فلسطينياً بينهم 110 أطفال. وغني عن الذكر أن اعتقالات التي تنفذها قوات الاحتلال بحق أبناء لشعب الفلسطيني ليست بالأمر الجديد. فوفقاً مركز المعلومات الصحفي الفلسطيني، فإنه منذ احتلال الأراضي الفلسطينية عام 1967، تم اعتقال نحو 800 ألف مواطن (وهي أكبر نسبة إلى مجموع عدد السكان في التاريخ الحديث) منهم ما يزيد على 42000 تم اعتقالهم خلال ست سنوات من عمر انتفاضة الأقصى، بالإضافة إلى عشرات الآلاف ممن اعتقلوا واحتجزوا لفترات قصيرة، ومن ثم أطلق سراحهم. وهؤلاء جميعاً تفنَّن الاحتلال ومحققوه في ممارسة أقصى أنواع التعذيب والإهانة والإذلال بحقهم، في انتهاك صارخ لكل القيم والأعراف ومواثيق حقوق الإنسان التي وقعتها إسرائيل! ومنذ 1948 لم يطرأ تغير جوهري على وضع الأسرى الفلسطينيين، إذ لا زالت إسرائيل تحاكم المعتقلين في محاكم عسكرية، وفق الأوامر العسكرية السارية التي لا تهتم بحقوق الإنسان وتدوس على كافة الاتفاقيات والمواثيق الدولية، حتى أصبح العالم "العادل"(!) ينظر إلى الجرائم التي ينفذها الاحتلال ضد الشبان والعجزة والنساء والأطفال على أنها "دفاع عن النفس"... وإلى الاعتقالات بوصفها "قمعاً للإرهاب"... وإلى السجون كما لو كانت "إصلاحيات لإعادة تأهيل المعتقلين"! ورغم أن الحديث عن الأسرى من الرجال ومعاناتهم في سجون الاحتلال، قد شكّل محوراً مهماً للتقارير والدراسات التي تصدرها المراكز المهتمة بحقوق الإنسان، سواء في فلسطين أو خارجها، إلا أن المخيف هو وضع الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال، واللواتي أثبتن أنهن لسن أقلّ صلابة وشجاعة من الرجال في مقاومتهن الاحتلال. فمنذ اندلاع انتفاضة الأقصى، تصاعدت سياسة اعتقال الأسيرات من قبل الاحتلال، حيث تم اعتقال أكثر من 600 أسيرة خلال السنوات السابقة، ولا زال منهن (118) أسيرة داخل السجون، وذلك بحسب شهادة مصلحة السجون الإسرائيلية ذاتها. وتشهد أوضاع الأسيرات الفلسطينيات في السجون الإسرائيلية تصعيداً خطيراً من قبل إدارة تلك السجون، والتي تقوم بحملة قمعية منظمة ضدهن من أجل تحطيم معنوياتهن وزعزعة ثقتهن بأنفسهن، فضلاً عما اعتبرته "مجموعة الرقابة الفلسطينية"، وعن حق، محاولة لتدمير الشخصية والحالة النفسية للأسيرة لتصبح غير قادرة على العطاء والبناء. ومن بين الأسيرات الفلسطينيات، بحسب مركز المعلومات الصحفي الفلسطيني، هناك 18 أسيرة أماً، يزيد عدد أبنائهن على الـ65، كما تعيش 6 أسيرات في العزل الانفرادي. ورغم خصوصية النساء، فقد لجأ الاحتلال إلى تعذيبهن وإهانة كرامتهن، إذ يحتجزهن في ظروف صعبة وقاسية للغاية، ويضعهن في أماكن لا تليق بهن دون مراعاة لاحتياجاتهن الخاصة، ودون توفر حقوقهن الأساسية، بالإضافة إلى المعاملة الاستفزازية من قبل السجانين الذين اعتادوا توجيه الشتائم للأسيرات وتعريضهن للتفتيش المذل خلال خروجهن إلى المحاكم أو للزيارات. كما تتعرض الأسيرات للتحرش الجنسي وللتفتيش العاري المذل. بل إن بعض السجون الإسرائيلية شهدت حالات ولادة، لن تكون آخرها في إبريل 2006، عندما وضعت الأسيرة سمر صبيح، والتي اعتقلت وهي حامل في شهرها الثالث، مولودها البكر بعملية قيصرية وهي مكبلة الأيدي والأرجل بالأصفاد المعدنية، ولم يتم إزالة هذه القيود إلا أثناء العملية الجراحية فقط. ومن بين الأسيرات أيضاً 62 أسيرة محكومة، و50 أسيرة موقوفة، و6 أسيرات معتقلات على أساس "إداري". واقع الحال إذن، أن الأسرى والمعتقلين يواجهون في كافة السجون والمعتقلات الإسرائيلية انتهاكاً فاضحاً لأبسط حقوقهم الإنسانية، كما يواجهون إرهاباً منظماً. والأسرى لا يقتصرون على شريحة معينة من الشعب الفلسطيني، فالكل مستهدف والكل متهم والأحكام والذرائع جاهزة. صحيح أن الخلل ربما كان في الأساس بالموافقة على تجزئة الأسرى "جغرافياً" وحسب "التهم"، كما ورد في "اتفاقية طابا" وما تلاها من اتفاقيات، أو عدم إصرار المفاوضين الفلسطينيين على إطلاق جميع المعتقلين قبل البدء بعملية المفاوضات... لكن المطلوب الآن هو التحرك بجد وتصميم. فالهجمة الشرسة التي يتعرض لها الأسرى في سجون الاحتلال، تمثل قنبلة موقوتة في وجه السلطة الفلسطينية إذا ما بقيت الأوضاع على حالها، مما يستلزم تحركاً جاداً وسريعاً لإعادة الاعتبار لقضيتهم. فمن غير المعقول أن ترجح كفة أسير إسرائيلي من قوات الاحتلال على معاناة 11000 أسير فلسطيني يتعرضون يومياً لأبشع أنواع التعذيب والقتل البطيء!