على قمة أحد التلال التي تشرف على المدينة القديمة لاسطنبول، يقع مقهى "بيير لوتي" الذي يستمد اسمه من أحد المقيمين الفرنسيين في المدينة خلال القرن التاسع عشر، والذي عرف بمغامراته المثيرة في العاصمة العثمانية التي ألهبت خيال العديد من السياح الأجانب. لكن عندما قرر عمدة المدنية في مطلع العام الجاري تغيير اسم المقهى واستبداله بآخر لأحد الأولياء المسلمين المشهورين في تركيا، ثارت ثائرة العلمانيين الذين رفضوا المقترح. وقد اتهم أحد الأعضاء العلمانيين في مجلس المدينة العمدة، والذي ينتمي إلى "حزب العدالة والتنمية" ذي الجذور الإسلامية، بالانخراط في مخطط لأسلمة المجتمع. وهي التهمة التي أصبحت تتردد كثيراً داخل تركيا خلال الآونة الأخيرة في ظل المواجهة الدائرة رحاها بين أعضاء "حزب العدالة والتنمية" والتيار العلماني الذي يخشى على المبادئ التي أرساها "كمال أتاتورك" بعد الحرب العالمية الأولى. وفي هذا الإطار شارك مئات الآلاف من الأتراك في الاحتجاجات التي شهدتها المدن التركية في الأسابيع الأخيرة للتعبير عن مخاوفهم من أن ينجح "حزب العدالة والتنمية" في إدخال تغييرات تدريجية قد تؤدي إلى تقويض الأسس العلمانية التركية. وقد انصبت معظم تلك المخاوف على الجهود الأخيرة للحزب والرامية إلى ترشيح وزير الخارجية "عبد الله جول" لمنصب الرئاسة، وهي جهود نجحت أحزاب المعارضة التركية في تعطيلها. "حسن حسين إنجين"، مهندس كيماوي وأحد الذين خرجوا في 29 أبريل الماضي للمشاركة في المظاهرة المليونية المؤيدة للعلمانية، قال "إن العلمانية التي تعتبر نظام الدولة تتعرض للخطر"، مضيفاً "إن الحكومة لا تتقيد بقواعد الدولة كما وضعها أتاتورك، إنك لا تشعر بذلك، لأنهم يقومون بهذا في السر". وسواء كان ذلك صحيحاً، أم خاطئاً، إلا أنه يوضح، رغم مرور أربع سنوات على هذه الحكومة في السلطة وما حققته من نمو اقتصادي قياسي، واقترابها من حلم الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، أن الأتراك العلمانيين ما زالت تراودهم الشكوك إزاء النوايا الحقيقية لـ"حزب العدالة والتنمية". وهو الشعور ذاته الذي تعبر عنه المؤسسة العسكرية القوية في تركيا. فعندما أعلن "حزب العدالة والتنمية" ترشيحه عبدالله جول لمنصب الرئاسة -وهو المنصب الذي كان حتماً سيفوز به نظراً إلى أغلبية الحزب في البرلمان- أصدر الجيش تصريحات حازمة يعبر فيها عن مخاوفه من السجل الحكومي في مجال تقويض العلمانية. وبدلاً من التدليل على ذلك بأفعال الحكومة نفسها، أشارت المؤسسة العسكرية إلى بعض الحوادث على المستوى المحلي مثل تنظيم مسابقة لترتيل القرآن في أحد الاحتفالات البلدية بأنقرة بمناسبة إحدى العطل الرسمية. ويوضح هذا الأمر "سونير كاجابتي"، مدير برنامج البحوث التركية بـ"معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى"، قائلاً "أعتقد أن ما يقوله الجيش هو أن النظام على المستوى الوطني لم يتغير لأنه من الصعب تغيير العلمانية ما دامت خاضعة لحماية الدستور، لكنهم منشغلون بشأن الجهود المبذولة على مستوى القاعدة". يشار إلى أن "حزب العدالة والتنمية" حقق نجاحاً باهراً على الصعيد المحلي بعدما حصد 42% من الأصوات في الانتخابات البلدية لعام 2004 واكتسح مجالس المدن التركية الكبرى. ومنذ النتائج الجيدة التي حققها الحزب في تلك الانتخابات، والعلمانيون يبرزون أمثلة من البلديات التي يسيطر عليها وما يقوم به لتغيير سلوك الناس مثل حظر بيع الكحول، أو توزيع مطويات على المتزوجين حديثاً تقول "المرأة التي لا تستيقظ مبكراً، والحصان الذي لا يطيعك، لا فائدة ترجى منهما". غير أن "متين هيبر"، أستاذ العلوم السياسية في جامعة "بيلكينت" بأنقرة، يعتقد أن هذه الأمثلة مبالغ فيها، وتم نفخها بما لا يتوازى مع حجمها. ويضيف أستاذ العلوم السياسية قائلاً: "لا أعتقد أن تلك الأمور تتم بأمر من حزب العدالة والتنمية، بل أعتقد أنها حوادث منعزلة، وعندما يعرف الحزب بها فإنه يسعى إلى إيقافها". ويستطرد "بيلكينت" قائلاً "مع الأسف يعتقد العديد من الناس أنه إذا كان أحد الأشخاص متديناً فإنه ينوي إقامة دولة يحكمها الإسلام، وهذا ليس صحيحاً". ورداً على هذه الاتهامات، أكد عبدالله جول في حوار أجرته معه مجلة "نيوزويك" الأميركية، بعد سحبه لقرار الترشح لمنصب الرئاسة، أن كل الادعاءات التي تحوم حول الحزب لا أساس لها من الصحة، قائلاً: "لقد جاهدنا أكثر من أي حزب آخر في تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فلماذا نقوم بهذا الجهد إذا كنا نريد أسلمة تركيا؟". وفي هذا السياق أيضاً يقول "حسن كان"، عمدة اسطنبول الذي ينتمي إلى "حزب العدالة والتنمية" إن ما تخشاه المعارضة فعلاً هو نجاح الحزب على المستوى المحلي، مشيراً إلى القدرات الكبيرة للآلة السياسية للحزب في توفير الفحم والغذاء للفقراء وفي بناء المراكز الثقافية في الأحياء الفقيرة. وتعد "أمراني" في اسطنبول إحدى المناطق التي تسعى بلدية المدينة التي يسيطر عليها "حزب العدالة والتنمية" إلى تأهيلها لتستقبل النازحين الأتراك القادمين من الريف. وقد نجحت إدارة المدينة فعلاً في تحويل تلك المنطقة من حي عشوائي إلى ورش للتطوير العقاري لبناء سكن للأهالي، وهو ما يضاعف من شعبية الحزب في الأوساط التركية ويجعله أقرب إلى الناس من المعارضة العلمانية. يجال شلافير ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مراسل "كريستيان ساينس مونيتور" في اسطنبول بتركيا ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"